تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 563

مساهمون:

ص٥٦٣
والظهر بأربع ، والمغرب بثلاث ، هي لخواص غير معلومة بنظر الحكمة ؟ وسببها اختلاف هذه الأوقات ؛ وإنما تدرك هذه الخواص بنور النبوة . والعجب أنا لو غيرنا العبارة إلى عبارة المنجمين لعللوا اختلاف هذه الأوقات ، فنقول : " أليس يختلف الحكم في الطالع بأن تكون الشمس في وسط السماء ، أو في الطالع أو في الغارب ، حتى يبنوا على هذا في تسييراتهم اختلاف العلاج وتفاوت الأعمار والآجال ، ولا فرق بين الزوال وبين كون الشمس في وسط السماء ، وبين المغرب وبين كون الشمس في الغارب ، فهل لتصديقه سبيل ؟ " إلا أن ذلك يسمعه بعبارة المنجم ، لعله جرب كذبه مائة مرة ؛ ولا يزال يعاود تصديقه ، حتى لو قال المنجم له : إذا كانت الشمس في وسط السماء ، ونظر إليها الكوكب الفلاني ، والطالع هو البرج الفلاني ، فلبست ثوبا جديدا في ذلك الوقت ، قتلت في ذلك الثوب ! فإنه لا يلبس الثوب في ذلك الوقت ، وربما يقاسي فيه البرد الشديد ، وربما سمعه من منجم وقد عرف كذبه مرات . فليت شعري ! من يتسع عقله لقبول هذه البدائة ويضطر إلى الاعتراف بأنها خواص ، معرفتها معجزة لبعض الأنبياء ، فكيف ينكر مثل ذلك فيما يسمعه من قول نبي صادق مؤيد بالمعجزات لم يعرف قط بالكذب ! فإن أنكر فلسفي إمكان هذه الخواص في أعداد الركعات ورمي الجمار وعدد أركان الحج وسائر تعبدات الشرع ، لم يجد بينها وبين خواص الأدوية والنجوم فرقا أصلا . فإن قال : " قد جربت شيئا من النجوم وشيئا من الطب ، فوجدت بعضه صادقا ، فانقدح في نفسي تصديقه ، وسقط من قلبي استبعاده ونفرته وهذا لم أجربه ، فبم أعلم وجوده وتحقيقه إن أقررت بإمكانه ؟ " فأقول : " إنك لا تقصر على تصديق ما جربته ، بل سمعت أخبار المجربين وقلدتهم ، فاسمع أقوال الأنبياء فقد جربوا شاهدوا الحق في جميع ما ورد به الشرع ، واسلك سبيلهم تدرك بالمشاهدة بعض لك " . على أني أقول : وإن لم تجربه فيقضي عقلك بوجوب التصديق والاتباع قطعا ؛ فإنا لو فرضنا رجلا بلغ وعقل ولم يجرب المرض فمرض ، وله والد مشفق حاذق بالطب ، يسمع دعواه في معرفة الطب منذ عقل ، فعجن له والده دواء فقال : " هذا يصلح لمرضك ، ويشفيك من سقمك " فما ذا يقتضيه عقله ، وإن كان الدواء مرا كريه المذاق ، أيتناوله ؟ أو يكذب ويقول : أنا لا أعقل مناسبة هذا الدواء لتحصيل الشفاء ، ولم أجربه ؟ فلا شك أنك تستحمقه إن فعل ذلك ! وكذلك يستحمقك أهل البصائر في توقفك ! فإن قلت : فبم أعرف شفقة النبي عليه الصلاة والسلام ومعرفته بهذا الطب ؟ فأقول : وبم عرفت شفقة أبيك وليس ذلك أمرا محسوسا ؟ بل عرفتها بقرائن أحواله وشواهد أعماله في مصادره وموارده علما ضروريا لا تتمارى فيه . ومن نظر في أقوال رسول اللّه عليه الصلاة والسلام ، وما ورد من الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق ، وتلطفه في جر الناس بأنواع الرفق واللطف إلى تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين ، وبالجملة إلى ما لا يصلح إلا به دينهم ودنياهم ، حصل له علم ضروري بأن شفقته على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده . وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال ، وإلى عجائب الغيب الذي