وأنكروا الجنة والنار ، والحشر والنشر ، والقيامة والحساب ، فلم يبق عندهم للطاعة ثواب ، ولا للمعصية عقاب ، فانحل عنهم اللجام ، وانهمكوا في الشهوات انهماك الأنعام .
وهؤلاء أيضا زنادقة : لأن أصل الإيمان حد الإيمان بالله واليوم الآخر ، وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر ، وإن آمنوا بالله وبصفاته .
الصنف الثالث : الإلهيون : وهم المتأخرون منهم ، مثل سقراط وهو أستاذ أفلاطون ، وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس . وأرسطاطاليس هو الذي رتب لهم المنطق ، وهذب لهم العلوم ، وحرر لهم ما لم يكن محررا من قبل ، وأنضج لهم ما كان فجا من علومهم . وهم بجملتهم ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية والطبيعة ، وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم
وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ
بتقاتلهم . ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبله من الإلهيين ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ من جميعهم ؛ إلا أنه استبقى أيضا من رذائل كفرهم وبدعتهم بقايا لم يوفق للنزع منها ؛ فوجب تكفيرهم ، وتكفير متبعيهم من المتفلسفة الإسلاميين ، كابن سينا والفارابي وغيرهما . على أنه لم يقم بنقل علم أرسطاطاليس أحد من متفلسفة الإسلاميين كقيام هذين الرجلين ؛ وما نقله غيرهما ليس يخلو عن تخبيط وتخليط يتشوش فيه قلب المطالع حتى لا يفهم ، وما لا يفهم كيف يرد أو يقبل ؟ ومجموع ما صح عندنا من فلسفة أرسطاطاليس ، بحسب نقل هذين الرجلين ، ينحصر في ثلاثة أقسام :
1 . قسم يجب التكفير به .
2 . وقسم يجب التبديع به .
3 . وقسم لا يجب إنكاره أصلا .
أقسام علومهم
اعلم أن علومهم بالنسبة إلى الغرض الذي نطلبه ست أقسام : رياضية ، ومنطقية ، وطبيعية ، وإلهية ، وسياسية ، وخلقية .
1 - أما الرياضية : فتتعلق بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئة العلم ، وليس يتعلق شيء منها بالأمور الدينية نفيا وإثباتا ، بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها بعد فهمها ومعرفتها . وقد تولدت منها آفتان :
الأولى : من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها ، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة ، ويحسب أن جميع علومهم في الوضوح ووثاقة البرهان كهذا العلم . ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تناولته الألسن ، فيكفر بالتقليد المحض ويقول :
لو كان الدين حقا لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم ! فإذا عرف بالتسامع كفرهم وجحدهم ، فيستدل على أن الحق هو الجحد والإنكار للدين . وكم رأيت ممن ضل عن الحق