تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
عليه ويجاوز درجته ، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غوره وغائله ، فإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقا . ولم أر أحدا من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك . ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم ، حيث اشتغلوا بالرد عليهم إلا كلمات معقدة مبددة ، ظاهرة التناقض والفساد ، لا يظن الاغترار بها بغافل عامي فضلا عمن يدعي دقائق العلوم . فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه رمي في عماية ، فشمرت على ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب بمجرد المطالعة من غير استعانة بأستاذ ، وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التصنيف والتدريس في العلوم الشرعية وأنا ممنوّ بالتدريس والإفادة لثلاثمائة نفر من الطلبة ببغداد . فأطلعني اللّه سبحانه وتعالى بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة على منتهى علومهم في أقل من سنتين . ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريبا من سنة ، أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره ، حتى اطلعت على ما فيه من خداع وتلبيس ، وتحقيق وتخييل ، اطلاعا لم أشك فيه . فاسمع الآن حكايته وحكاية حاصل علومهم ؛ فإني رأيتهم أصنافا ، ورأيت علومهم أقساما ، وهم على كثرة أصنافهم يلزمهم سمة الكفر والإلحاد ، وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين ، وبين الأواخر منهم والأوائل ، تفاوت عظيم في البعد عن الحق والقرب منه .

أصناف الفلاسفة واتصاف كافتهم بالكفر

اعلم أنهم على كثرة فرقهم واختلاف مذاهبهم ، ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : الدهريون ، والطبيعيون ، والإلهيون . الصنف الأول : الدهريون : وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر ، العالم القادر ، وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه لا بصانع ، ولم يزل الحيوان من النطفة ، والنطفة من الحيوان كذلك كان ، وكذلك يكون أبدا وهؤلاء هم الزنادقة . الصنف الثاني : الطبيعيون : وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات ، وأكثروا الخوض في تشريح أعضاء الحيوانات ، فرأوا فيها من عجائب صنع اللّه تعالى وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بقادر حكيم ، مطلع على غايات الأمور ومقاصدها . ولا يطالع التشريح وعجائب منافع الأعضاء مطالع ، إلا ويحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان ؛ لا سيما بنية الإنسان . إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ، ظهر عنهم . لاعتدال المزاج . تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا ، وأنها تبطل ببطلان مزاجه فينعدم ، ثم إذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم كما زعموا ؛ فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود ، فجحدوا الآخرة
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 542 | الغزالي