وقل حسابه ، فهذا طعام المترفين ، فقد قدم عثمان إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قطائفا بالقند والفستق ودهن القرع ، ففرك وجهه صلى اللّه عليه وسلم ثم قال : " آه من طعام المترفين وحساب المترفين " وقدم قعب من حليب وتمر إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : " كليه يا عائشة بالسمن يكن أليق " . وكان يأكل النيت بعسل العرفط والمعافير . فمن ترك شهوات الدنيا وهو قادر عليها كتب له من الأجر ما لا يعد ، والسر فيه أنه أوقع بينه وبين نفسه فسكت عن اللذات والشهوات ، فإذا فارقت هذا العالم الخسيس والحبس المظلم والجسد المعتم لم تتأسف على مفارقة المحقورات ، رقت على عالمها وشرفت بعلمها ، مثل العلوم المرسومة المنتقشة فيها ، مثل علم التوحيد ، وهو العلم بالله وحده بالبراهين النقلية والعقلية ، يحدث به لك جناح تخرق به عالم الملكوت ، إذ الأرواح ثلاثة : نفس العارف ، والناسك ، والزاهد ، إذا اجتمعت خلالها الثلاثة فلا يضرها الموت ولا الفوت ، لأنها كاملة رقت إلى عالم الكمال فهي تحظى بما ليس في الجنة من المقامات العلوية والأنوار القدسية في الحضرة الصمدية ، مجاورة للملائكة الروحانية ، تجتمع إليها وتسمع عليها من العلوم المودعة عندها ، فهي تنفصل عن عالم الكون والفساد وتلتحق بعالم البقاء الذي ليس فيه نقص ولا نفاد " أعددت لعبادي في جنتي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " اعلم أن هذا الحديث يدل على أن وراء نعيم الجنة نعيما لا تدركه النفوس إلا مع مشاهدة ، فهذا يعجز عن صفة مشاهدة ، لأنها لذة ذاتية تجوز عن حد التعبير والتفسير ، كما لو قيل للعنين عن لذة الجماع لما عقل ، ومدرك اللذة لا يقدر على تعبيره ، فهذا لا يدركه إلا شاهده وهو النظر إلى اللّه الكريم . وأنت تريد أن تعرف لذة المشاهدة من غير إبصار ، كما لا ينتفع الجبان بذكر الحرب من غير مشاهدة ولا مواقعة ، وكيف تطمع مع الغفلة برفع الحجاب وقد سمعت أن زين العابدين عليه صلوات اللّه كان إذا قام في صلاته يرفع السد بينه وبين محبوبه فيطاف بقلبه في عالم الملكوت الأعلى ؟ وهو معنى قول أمير المؤمنين علي عليه السلام : سلوني عن طريق السماوات فإني أخبركم بها . وأنت أيها المبطل الغافل عبد نفسك وأسير شهوتك وتريد أن تلحق بالأبرار والمقربين ، أو تطعن مع حجتك وجهلك في كرامات الصالحين ! ( شعر ) :
تريدين إدراك المعالي رخيصة * ولا بدّ دون الشّهد من إبر النحل
تريدين أن أرضى وأنت بخيلة * فمن ذا الذي يرضي الأحبّة بالبخل
فجاهد ولا تجاهد ، واركب فرس حسن ظنك ، واقطع الغاية حتى تكون آية ، والبس ثوب الشفاء إن أحببت اللقاء ، وارض بالعيش الطفيف إن أحببت أن ترقى في عالم المجد إلى قلة حمى الملكوت ، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم " ظفر الزّاهدون بعزّ الدّنيا ونعيم الآخرة " ، وسلم المجنون على ليلى فأبت رد السلام فقال لها : ولم ؟ فقالت : أخبرت أنك نمت البارحة لحظة ، ولو كنت صادقا لما نمت عنا ، فقال : عسر علي زيارتكم فأحببت أن أراكم في المنام