تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
يراهم الحقّ يباهي بهم * بهم عن الخلق يزول العذاب
عليهم منّي سلام سما * ما لمع البرق أو أهلّ السّحاب
أحمده حمدا أستوجب به الثواب ، وأشكره شكرا تزيد به زيادات أولي الألباب ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، شهادة تنزهه عن الحلول والانحياز ، والظهور ، والبطون ، والابتداء والانتهاء ، والاشتهار والاحتجاب ؛ وتقدست ذاته المقدسة عن مقالات أولي الجهالات من الكم والكيف والأين والمكان والزمان والإياب والذهاب ، وأمجده بما أبرزه بحكمته من الأكوان عن التفكر والتدبر والمعاونة والمشاورة والراحة والنصب والانتصاب ، وأعظمه عن التشبيه والتمثيل والتعديل والتحويل والتبديل والتركيب والارتكاب . وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أشرف محبوب ، وأعظم الأشراف ، وأخص الأحباب ؛ أرسله بفضل الكتاب وفصل الخطاب ، وأيده بأفضل كتاب وأجمل خطاب ؛ أفصح الأعراب بالإعراب والاختصار والإسهاب ، واعجز بلغاء الأحزاب ببدائع النفي والإيجاب ، فأنقذ الأحباب من مهاوي الارتياب ومغاوي الأعراب ، بالعقاب على الأعقاب ، وكشف عن وجه نور الإسلام مكفرات ظلمات الإشراك والضباب ؛ صلى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه والأحباب ، وعلى الخلفاء الراشدين الأقطاب : أبي بكر وأبي حفص وأبي عمرو وأبي تراب ، صلاة تحلنا دار النعيم وتخرجنا عن دار العذاب . أما بعد : نفحنا اللّه وإياك بنسائم قربه ، وسقانا وإياك من كاسات حبه ؛ فإن بيان كيفية طريقنا ، وبرهان أهل تحقيقنا ، مبني على عشرة قواعد توقظ النائم وتقيم القاعد :

القاعدة الأولى

النية الصادقة الواقعة من غير التواء ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « وإنّما لكلّ امرئ ما نوى » . والمراد بالنية عزم القلب ، وبالصادقة إنهاؤها للفعل والترك للرب ، وبالواقعة استمرارها على هذه الخلة الأثيرة ؛ لأن التكرار تأثيرا ليس لغيره ، وعلامتها عدم تغيير جزمه بأعراض فانية وباقية في عزمه ، فإن العمل للحق ولا بد من الحق فلا يترك ما عزم عليه للخلق .

القاعدة الثانية

العمل للّه من غير شريك ولا اشتراك لقوله عليه السلام : « اعبد اللّه كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » وعلامته أن لا يرضى بغير الحق ، ويرى ما سواه قاطعا ، فيجتنب الخلق لقول النبي المختار : " تعس عبد الدينار " . وليترك للّه سبحانه وتعالى جميع أمانيه ، لقوله عليه السلام : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » وآكدها الشبهات فاحذرها أن تصيبك ، لقوله عليه السلام : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . فإذا صحت هذه الأصول الثلاثة أثمرت أغصانها لك القربى ، فتكون بالصورة في الدنيا وبالمعنى في العقبى ، وعلى قدر همك وثباتك على الفعل والترك تحظى من الحديث