تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
هذا حكم من يظهر لك الصداقة ، فكيف من يجاهرك بالعداوة ! قال القاضي ابن معروف رحمه اللّه تعالى :
فاحذر عدوّك مرّة * واحذر صديقك ألف مرّة
فلربّما انقلب الصّدي * ق فكان أعرف بالمضرّه
وكذلك قيل في المعنى :
عدوّك من صديقك مستفاد * فلا تستكثرن من الصّحاب
فإنّ الدّاء أكثر ما تراه * يكون من الطّعام أو الشّراب
وكن كما قال هلال بن العلاء الرقي :
لما عفوت ولم أحقد على أحد * أرحت نفسي من همّ العداوات
إنّي أحيّي عدوّي عند رؤيته * لأدفع الشرّ عني بالتحيات
وأظهر البشر للإنسان أبغضه * كأنّه قد ملا قلبي مسرّات
ولست أسلم ممّن لست أعرفه * فكيف أسلم من أهل المودّات
الناس داء دواء النّاس تركهم * وفي الجفاء لهم قطع الأخوّات
فسالم النّاس تسلم من غوائلهم * وكن حريصا على كسب المودات
وخالق النّاس واصبر ما بليت بهم * أصمّ أبكم أعمى ذا تقيات
وكن أيضا كما قال بعض الحكماء : الق صديقك وعدوك بوجه الرضا من غير مذلة لهما ولا هيبة منهما ، وتوقر من غير كبر ، وتواضع من غير مذلة ، وكن في جميع أمورك في أوسطها . فكلا طرفي قصد الأمور ذميم . كما قيل :
عليك بأوساط الأمور فإنّها * طريق إلى نهج الصّراط قويم
ولا تك فيها مفرّطا أو مفرطا * فإنّ كلا حال الأمور ذميم
ولا تنظر في عطفيك ، ولا تكثر الالتفات إلى ورائك ، ولا تقف على الجماعات ، وإذا جلست فلا تستوفز . وتحفظ من تشبيك أصابعك ، والعبث بلحيتك وخاتمك ، وتخليل أسنانك ، وإدخال إصبعك في أنفك ، وكثرة بصاقك وتنخمك وطرد الذباب عن وجهك ، وكثرة التمطي والتثاؤب في وجوه الناس وفي الصلاة وغيرها . وليكن مجلسك هادثا وحديثك منظوما مرتبا . واصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك من غير إظهار تعجب مفرط ، ولا تسأله إعادته . واسكت عن المضاحك والحكايات ، ولا تحدث عن إعجابك بولدك وشعرك وكلامك وتصنيفك وسائر ما يخصك . ولا تتصنع تصنع المرأة في التزين ، ولا تتبذل تبذل العبد . وتوق كثر الكحل والإسراف في الدهن . ولا تلح في الحاجات ، ولا تشجع أحدا على الظلم . ولا تعلم أحدا من أهلك وولدك - فضلا عن غيرهم . مقدار مالك ، فإنهم إن رأوه قليلا هنت عليهم ، إن رأوه كثيرا لم تبلغ قط رضاهم . واجفهم من غير عنف ، ولن لهم من غير
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 401 | الغزالي