تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
الأولى العقل : فلا خير في صحبة الأحمق ، فإلى الوحشة والقطيعة يرجع آخرها ، وأحسن أحواله أن يضرك وهو يريد أن ينفعك ، والعدو العاقل خير من الصديق الأحمق ؛ قال علي رضي اللّه عنه :
فلا تصحب أخا الجهل * وإيّاك وإيّاه
فكم من جاهل أردى * حليما حين وأخاه
يقاس المرء بالمرء * إذا ما المرء ماشاه
كحذو النّعل بالنّعل * إذا ما النّعل حاذاه
وللشّيء من الشّيء * مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب * دليل حين يلقاه
الثانية حسن الخلق : فلا تصحب من ساء خلقه ، وهو الذي لا يملك نفسه عند الغضب والشهوة ؛ وقد جمعه علقمة العطاردي رحمه اللّه تعالى في وصيته لابنه لما حضرته الوفاة فقال : يا بني إذا أردت صحبة إنسان فاصحب من إذا خدمته صانك ، وإن صحبته زانك ، وإن قعدت بك مؤونة مانك . اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها ، وإن رأى منك حسنة عدّها ، وإن رأى منك سيئة سدها . اصحب من إذا قلت صدّق قولك ، وإذا حاولت أمرا أعانك ونصرك ، وإن تنازعتما في شيء آثرك . وقال علي رضي اللّه عنه رجزا :
إنّ أخاك من كان معك * ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزّمان صدعك * شتّت فيك شمله ليجمعك
الثالثة الصلاح : فلا تصحب فاسقا مصرّا على معصية كبيرة ، لأن من يخاف اللّه لا يصرّ على معصية كبيرة ، ومن لا يخاف اللّه لا تؤمن غوائله ، بل يتغير بتغير الأحوال والأعراض ؛ قال اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
[ الكهف : 28 ] فاحذر صحبة الفاسق ، فإن مشاهدة الفسق والمعصية على الدوام تزيل عن قلبك كراهية المعصية ويهون عليك أمرها ؛ ولذلك هان على القلوب معصية الغيبة ، لا لفهم لها ، ولو رأوا خاتما من ذهب أو ملبوسا من حرير على فقيه لاشتد إنكارهم عليه ، والغيبة أشد من ذلك . الرابعة أن لا يكون حريصا على الدنيا : فصحبة الحريص على الدنيا سم قاتل ؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء ، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري ، فمجالسة الحريص تزيد في حرصك ، ومجالسة الزاهد تزيد في زهدك . الخامسة الصدق : فلا تصحب كذابا فإنك منه على غرور ، فإنه مثل السراب يقرب منك البعيد ويبعد منك القريب . ولعلك تعدم اجتماع هذه الخصال في سكان المدارس والمساجد ، فعليك بأحد أمرين : إما العزلة والانفراد ففيها سلامتك ، وإما أن تكون مخالطتك مع شركائك بقدر خصالهم ، بأن تعلم