تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
وهذا يوهم خلاف الحق ويفضي إلى الجهل حتى يعتقد أن بغداد بين أصابعه بل يقال له : يا سليم القلب هذا إنما يوهم الجهل عند من لا يعرف حقيقة بغداد ، فأما من علمه فبالضرورة يعلم أنه ما أريد بهذه اليد العضو المشتمل على الكف والأصابع بل معنى آخر ولا يحتاج في فهمه إلى قرينة سوى هذه المعرفة ، فكذلك جميع الألفاظ الموهمة في الأخبار يكفي في دفع إيهامها قرينة واحدة وهي معرفة اللّه ، وإنه ليس من جنس الأجسام ، وهذا مما افتتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنيانه في أول بعثته قبل النطق بهذه الألفاظ . المثال الرابع : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نسائه : " أطولكنّ يدا أسرعكنّ لحاقا بي " فكان بعض نسوته يتعرّف الطول بالمساحة ووضع اليد على اليد ، حتى ذكر لهن أنه أراد بذلك السماحة في الجود دون الطول للعضو ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذكر هذه اللفظة مع قرينة أفهم بها إرادة الجود بالتعبير بطول اليد عنه ، فلما نقل اللفظ مجردا عن قرينته حصل الإيهام ، فهل كان لأحد أن يعترض على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في إطلاقه لفظا جهل بعضهم معناه ؟ إنما ذلك لأنه أطلق إطلاقا مفهما في حق الحاضرين مقرونا مثلا بذكر السخاوة ، والناقل قد ينقل اللفظ كما سمعه ولا ينقل القرينة ، أو كان بحيث لا يمكن نقلها ، أو ظن أنه لا حاجة إلى نقلها ، وأن من يسمع يفهمه هو كما فهمه هو لما سمعه ، فربما لا يشعر أن فهمه إنما كان بسبب القرينة ، فلذلك يقتصر على نقل اللفظ ، فبمثل هذه الأسباب بقيت الألفاظ مجردة عن قرائنها فقصرت عن التفهيم مع أن قرينة معرفة التقديس بمجردها كافية في نفي الإيهام ، وإن كانت ربما لا تكفي في تعيين المراد به فهذه الدقائق لا بدّ من التنبه لها كالمثال الخامس . إذا قال القائل بين يدي الصبي ومن يقرب منه درجة ممن لم يمارس الأحوال ، ولا عرف العادات في المجالسات فلان دخل مجمعا وجلس فوق فلان ربما يتوهم السامع الجاهل الغبي أنه جلس على رأسه أو على مكان فوق رأسه ، ومن عرف العادات وعلم أن ما هو أقرب إلى الصدر في الرتبة ، وأن الفوق عبارة عن العلو يفهم منه أنه جلس بجنبه لا فوق رأسه ، لكن جلس أقرب إلى الصدر ، فالاعتراض على من خاطب بهذا الكلام وأهل المعرفة بالعادات من حيث إنه يجهله الصبيان أو الأغبياء اعتراض باطل لا أصل له ، وأمثلة ذلك كثيرة . فقد فهمت على القطع بهذه الأمثلة أن هذه الألفاظ الصريحة انقلبت مفهوماتها عن أوضاعها الصريحة بمجرد قرينة ، ورجعت تلك القرائن إلى معارف سابقة ومقترنة ، فكذلك هذه الظواهر الموهمة انقلبت عن الإيهام بسبب تلك القرائن الكثيرة التي بعضها هي المعارف ، والواحدة منها معرفتهم أنهم لم يؤمروا بعبادة الأصنام ، وإن من عبد جسما فقد عبد صنما كان الجسم صغيرا أو كبيرا ، قبيحا أو جميلا ، سافلا أو عاليا على الأرض أو على العرش . وكان نفي الجسمية ونفي لوازمها معلوما لكافتهم على القطع بإعلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المبالغة في التنزيه بقوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] . وسورة الإخلاص وقوله :
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً
[ البقرة : 22 ] . وبألفاظ كثيرة لا حصر لها مع قرائن قاطعة