رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وانظر إلى تشديده وقوله : ولو وليت لضربت عنقه ، فمثل أولئك السادة الأكابر الذين شاهدوا الوحي والتنزيل واطلعوا على أسرار الدين وحقائقه ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم في أحدهما :
" لو لم أبعث لبعث عمر " . وقال في الثاني : " أنا مدينة العلم وعلي بابها " . يزجرون السائل عن هذا السؤال ، ثم يزعم من بعدهم من المشغوفين بالكلام والمجادلة وممن لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه . أن الحق والصواب قبول هذا السؤال والخوض في الجواب وفتح هذا الباب ، ثم يعتقد فيه أنه محق ، وفي عمر وعلي أنهما مبطلان . هيهات ما أبعد عن التحصيل وما أخلى عن الدين من قاس الملائكة بالحدادين ويرجح المجادلين على الأئمة الراشدين والسلف ، فإذا قد عرف علي القطع أن هذه بدعة مخالفة لسنة السلف لا كخوض الفقهاء في التفاريع والتفاصيل ، فإنه ما نقل عنهم زجر عن الخوض فيه ، بل إمعانهم في الخوض ، وأما ما أبدع من فنون المجادلات فهي بدعة مذمومة عند أهل التحصيل ذكرنا وجه ذمها في كتاب قواعد العقائد من كتب الإحياء . وأما مناظراتهم إن كان القصد منها التعاون على البحث عن مأخذ الشرع ومدارك الأحكام ، فهي سنة السلف ولقد كانوا يتشاورون ويتناظرون في المسائل الفقهية كما أبدعوا ألفاظا وعبارات للتنبيه على مقاصدهم الصحيحة فلا حرج في العبارات بل هي مباحة لمن يستعيرها ويستعملها ، وإن كان مقصدهم المذموم من النظر الإفحام دون الإعلام ، والإلزام دون الاستعلام ، فذلك بدعة على خلاف السنة المأثورة .
الباب الثالث في فصول متفرقة نافعة في هذا الفن
فصل
إن قال قائل : ما الذي دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى إطلاق هذه الألفاظ الموهمة مع الاستغناء عنها ، أكان لا يدري أنه يوهم التشبيه ويغلط الخلق ويسوقهم إلى اعتقاد الباطل في ذات اللّه تعالى وصفاته ، وحاشا منصب النبوة أن يخفى عليه ذلك ، أو عرف لكن لم يبال بجهل الجهال وضلالة الضلال ، وهذا أبعد وأشنع لأنه بعث شارحا لا مبهما ، ملبسا ملغزا ، وهذا إشكال له وقع في القلوب حتى جرّ بعض الخلق إلى سوء الاعتقاد فيه فقالوا : لو كان نبيا لعرف اللّه ولو عرفه لما وصفه بما يستحيل عليه في ذاته وصفاته ، ومالت طائفة أخرى إلى اعتقاد الظواهر ، وقالوا : لو لم يكن حقا لما ذكره كذلك مطلقا ولعدل عنها إلى غيرها أو قرنها بما يزيل الإيهام عنها في سبيل حل هذا الإشكال العظيم .
الجواب : أن هذا الإشكال منحل عند أهل البصيرة ، وبيانه أن هذه الكلمات ما جمعها رسول اللّه دفعة واحدة وما ذكرها ، وإنما جمعها المشبهة وقد بينا أن لجمعها من التأثير في الإيهان والتلبيس على الأفهام ما ليس لآحادها المفرقة ، وإنما هي كلمات لهج بها في جميع عمره في أوقات متباعدة وإذا اقتصر منها على ما في القرآن والأخبار المتواترة رجعت إلى كلمات يسيرة معدودة ، وإن أضيف إليها الأخبار الصحيحة فهي أيضا قليلة ، وإنما كثرت