تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
مجتمعة ، فإن كل كلمة سابقة على كلمة أو لاحقة لها مؤثرة في تفهم معناه مطلقا ومرجحة الاحتمال الضعيف فيه ، فإذا فرقت وفصلت سقطت دلالتها مثال قوله تعالى :
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
[ الأنعام : 18 ] . لا تسلط على أن يقول القائل هو فوق ، لأنه إذا ذكر القاهر قبلة ظهر دلالة الفوق على الفوقية التي للقاهر مع المقهور وهي فوقية الرتبة ولفظ القاهر يدل عليه بل يجوز أن يقول وهو القاهر فوق غيره ، بل ينبغي أن يقول فوق عبادة لأن ذكر العبودية في وصفه في اللّه فوقه يؤكد احتمال فوقية السيادة إذ لا يحسن أن يقال زيد فوق عمر . وقبل أن يتبين تفاوتهما في معنى السيادة والعبودية أو غلبة القهر أو نفوذ الأمر بالسلطنة أو بالأبوة أو بالزوجية ، فهذه الأمور يغفل عنها العلماء فضلا عن العوام ، فكيف يسلط العوام في مثل ذلك على التصرف بالجمع والتفريق والتأويل والتفسير وأنواع التغيير ، ولأجل هذه الدقائق بالغ السلف في الجمود والاقتصار على موارد التوقيف كما ورد على الوجه الذي ورد وباللفظ الذي ورد والحق ما قالوه والصواب ما رأوه ، فأهم المواضع بالاحتياط ما هو تصرف في ذات اللّه وصفاته ، وأحق المواضع بإلجام اللسان وتقييده عن الحريان فيما يعظم فيه الخطر وأي خطر أعظم من الكفر . الوظيفة السادسة : في الكف بعد الإمساك . وأعني بالكف كف الباطن عن التفكر في هذه الأمور ، فذلك واجب عليه كما وجب عليه إمساك اللسان عن السؤال والتصرف ، وهذا أثقل الوظائف وأشدها وهو واجب كما وجب على العاجز الزمن أن يخوض غمرة البحار ، وإن كان يتقاضاه طبعه أن يغوص في البحار ويخرج دررها وجواهرها ، ولكن لا ينبغي أن تغره نفاسة جواهرها مع عجزه عن نيلها ، بل ينبغي أن ينظر إلى عجزه وكثرة معاطبها ومهالكها ويتفكر أنه إن فاته نفائس البحار فما فاته إلا زيادات وتوسعات في المعيشة وهو مستغن عنها ، فإن غرق أو التقمه تمساح فإنه أصل الحياة . فإن قلت : إن لم ينصرف قلبه من التفكر والتشوف إلى البحث فما طريقه ؟ قلت : طريقه أن يشغل نفسه بعبادة اللّه وبالصلاة وقراءة القرآن والذكر ، فإن لم يقدر فبعلم آخر لا يناسب هذا الجنس من لغة أو نحو أو خط أو طب أو فقه ، فإن لم يمكنه فبحرفة أو صناعة ولو الحراثة والحياكة ، فإن لم يقدر فبلعب ولهو وكل ذلك خير له من الخوض في هذا البحر البعيد غوره وعمقه العظيم خطره وضرره ، بل لو اشتغل العامي بالمعاصي البدنية ربما كان أسلم له من أن يخوض في البحث عن معرفة اللّه تعالى ، فإن ذلك غايته الفسق وهذا عاقبته الشرك
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 116 ] . فإن قلت : العامي إذا لم تكن نفسه إلى الاعتقادات الدينية إلا بدليل ، فهل يجوز أن يكون له الدليل فإن جوزت ذلك فقد رخصت له في التفكر والنظر ، وأي فرق بينه وبين غيره ؟ الجواب : أني أجوز له أن يسمع الدليل على معرفة الخالق ووحدانيته وعلى صدق الرسول وعلى اليوم الآخر ولكن بشرطين : أحدهما : أن لا يزاد معه على الأدلة التي في القرآن . والآخر : أن لا يماري فيه مراء ظاهرا ولا يتفكر فيه إلا تفكرا سهلا جليا ولا يمعن في التفكر