تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
وأقل ما في الباب أنه يشغل قلبك ويضيع عليك وقتك ويكثر عليك همك . والرابع : القسوة في القلب والنسيان للآخرة ، لأنك إذا أملت العيش الطويل لا تذكر الآخرة بل لا تذكر الموت ولا القبر ، فإذا يصير فكرك في الدنيا فيقسو قلبك من ذلك كما قال اللّه تعالى
فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ
[ الحديد : 16 ] . وإنما رقة القلب وصفوه بذكر الموت والقبر وأحوال الآخرة . وأما حد طول الأمل ، فقال العلماء : هو إرادة الحياة للوقت المتراخي بالحكم ، وقصر الأمل ترك الحكم فيه بقيده بالاستثناء بمشيئة اللّه تعالى وعلمه في الذكر أو بشرط إصلاح في الإرادة . فإذا ذكرت حياتك بأنك تعيش بعد نفس أو ساعة ثانية بالحكم والقطع فأنت آمل وذلك منك معصية إذ هو حكم على الغيب ، فإن قيدته بالمشيئة والعلم للّه تعالى بأن تقول : أعيش إن شاء اللّه تعالى ، فقد خرجت عن حكم الأمل ووصفت بقصر الأمل من حيث تركت الحكم فيه ، والمراد بالذكر ذكر القلب ثم المراد منه توطين القلب على ذلك والتثبيت للقلب عليه ، فافهمه راشدا ، ثم الأمل ضربان : أمل العامة وأمل الخاصة . فأمل العامة : هو أن يريد البقاء لجمع الدنيا والتمتع بها . فهذه معصية وضدها قصر الأمل . وأمل الخاصة : هو أن يريد البقاء لإتمام عمل خير فيه خطر ، وهو ما لا يستيقن الصلاح له فيه . فإنه ربما يكون خير معين لا يكون للعبد فيه أو في إتمامه صلاح بل يقع في أنه لا يقوم بهذا الخير ، فإذا ليس للعبد ابتداء في صلاة أو صوم أو غيرهما أن يحكم بأن يتمه إذ هو غيب ولا أن يقصد ذلك قطعا ، بل يقيده بالاستثناء وشرط الصلاح ليتخلص من عيب الأمل وضد هذا الأمل فيما قال العلماء : النية المحمودة لأن الناوي بالنية المحمودة يكون ممتنعا من الأمل فهذا حكمه ، وأما النية المحمودة : فهي الأصل الأصيل وقد ذكروا في حدها الجامع التام أنها إرادة أخذ عمل مبتدأ به قبل سائر الأعمال بالحكم مع إرادة إتمامه بالتفويض والاستثناء . فإن قيل : لم جاز الحكم في الابتداء ووجب التفويض والاستثناء في الإتمام ؟ فيقال : لفقد الخطر في الابتداء إذ هو حال الابتداء ليس بشيء متراخ عنك ولثبوت الخطر في الإتمام ، لأنه يقع في وقت متراخ ، ففيه خطران : خطر الوصول لأنك لا تدري هل لك في ذلك صلاح أم لا . فإذا حصلت الإرادة على هذه الشروط تكون حينئذ نيه محمودة مخرجة عن حكم الأمل وآفاته ، واللّه تعالى أعلم . واعلم أن حصن تقصير الأمل هو ذكر هجوم الموت وأخذه على غفلة وغرة فاحتفظ بهذه الجملة فإن الحاجة ماسة إليها ودع عنك القيل والقال من غير طائل واللّه الموفق . وأما الاستعجال والترقي : فإنه الخصلة المفوتة للمقاصد الموقعة في المعاصي . واعلم أن أصل العبادة وملاكها الورع والورع أصله النظر البالغ في كل شيء والبحث التام عند كل شيء هو بصدده من أكل وشرب ولبس وكلام وفعل . فإذا كان الرجل مستعجلا في الأمور غير