تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
التي لا متجاوز عنها ولا مقصد دونها . ثم اعلم أن حد التقوى في قول شيوخنا : هو تنزيه القلب عن ذنب لم يسبق عنك مثله حتى يجعل العبد من قوة العزم على تركها ووقاية بينه وبين المعاصي . فإذا وطن قلبه على ذلك فحينئذ يوصف بأنه متق ، ويقال لذلك التوبة والعزم تقوى . ثم اعلم أن منازل التقوى ثلاثة : تقوى عن الشرك ، وتقوى عن البدع ، وتقوى عن المعاصي الفرعية ، ثم الشرور ضربان أصلي وهو ما نهي عنه تأديبا كالمعاصي المحضة ، وشيء غير أصلي وهو ما نهي عنه تأديبا وهي فضول الحلال كالمباحات المأخوذة بالشهوات . فالأولى : تقوى فرض يلزم بتركها العذاب . والثانية : تقوى خير وأدب يلزم بتركها الحبس والحساب واللوم . فمن أتى بالأولى فهو في الدرجة الأولى من التقوى وتلك منزلة مستقيم الطاعة ، ومن أتى بالثانية : فهو في الدرجة العليا من التقوى فإذا جمع العبد بين اجتناب كل معصية وفضول ، فقد استكمل معنى التقوى وهو الورع الكامل الذي هو ملاك أمر الدين . وأما الذي لا بدّ منه هاهنا فهو مراعاة الأعضاء الخمسة فإنهن الأصول وهي : العين والأذن واللسان والبطن والقلب . فليحرص عليها بالصيانة لها عن كل ما يخاف منه ضررا من حرام وفضول وإسراف من حلال ، فإذا حصلت صيانة هذه الأعضاء فترجو أن تكفي سائر أركانه وتكون قد قمت بحق التقوى بجميع بدنك للّه تعالى . واعلم أن علماء الآخرة رضي اللّه عنهم أجمعين قد ذكروا فيما يحتاج إليه العبد من هذا الأمر سبعين خصلة محمودة في أضدادها المذمومة ، ثم من الأفعال والمساعي الواجبة المحظورة نحو ذلك فنظرنا في الأصول التي لا بدّ من ذكرها في علاج القلب ، ولا غنية عنها البتة في شأن العبادة فرأينا أربعة أمور وهي آفات المجتهدين وفتن القلوب تعوق وتشين وتفسد ، وأربعة في مقابلتها فيها قوام العباد وانتظام العبادة وإصلاح القلوب . والآفات الأربع الأول : الأمل والاستعجال والحسد والكبر . والمناقب الأربع : قصر الأمل والتأني في الأمور والنصيحة للخلق والتواضع والخشوع . فهذه هي الأصول في علاج القلوب وفسادها ، فابذل المجهود في التحرز من هذه الآفات والتحصيل لهذه المناقب تكفي المؤنة وتظفر بالمقصود إن شاء اللّه تعالى . فأما طول الأمل : فإنه العائق عن كل خير ، وطاعة الجالب لكل شر وفتنة الذي يوقع الخلق في جميع البليات . واعلم أنه إذا طال أملك هاج لك منه أربعة أشياء : الأول : ترك الطاعة والكسل تقول : سوف أفعل . والثاني : ترك التوبة وتسويفها تقول : سوف أتوب . والثالث : يجرك إلى الرغبة في الدنيا والحرص عليها تقول : أي شيء آكل وألبس فتهتم لها