تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣

الباب التاسع في بيان معنى الحياء والمراقبة ويضاف إليهما الإحسان لأنه غايتهما وكذلك الرعاية والحرمة والأدب لأنهن من ثمراتها

اعلم : أن الحياء أول مقام من مقامات المقربين كما أن التوبة أول مقام من مقامات المتقين . أما العلم الحامل على الحياء : فهو علم العبد باطّلاع تعالى عليه . وهذا واجب ، لأنه من الإيمان بالله وبالله تعالى . وكذا معرفته بعيوب نفسه وقصورها عن القيام بحق ربه سبحانه وتعالى وهذا أيضا واجب ، لأنه من الإيمان بالله تعالى فينفتح من هاتين المعرفتين حال يسمى الحياء ، وهو إطراق عين القلب خجلا من اللّه تعالى كتقصيره في واجب حقه تعالى ، والقدر الواجب من هذه الحالة ما يحث على ترك المحظورات وفعل الواجبات . وأما المراقبة والإحسان : فهما لفظان متداخلان على معنى واحد . فأما ثمرة بداية المراقبة فهو رعاية الخواطر وكشف ما التبس منها والأدب مع اللّه تعالى بحرمة مراقبته والحياء على الوصف العام الخاص ، وأما الوصف العام ما أمر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « استحيوا من اللّه حقّ الحياء قالوا : إنا نستحيي يا رسول اللّه قال ليس ذلك ولكن من استحيا من اللّه حقّ الحياء فليحفظ الرّأس وما وعى والبطن وما حوى وليذكر الموت والبلى . ومن أراد الآخرة ترك زينة الدّنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من اللّه حقّ الحياء » . وهذا الحياء من المقامات ، وأما الحياء الخاص من الأحوال وهو ما نقل عن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه أنه قال : إني لأغتسل في البيت المظلم فأنطوي حياء من اللّه عزّ وجلّ . وعن أحمد بن صالح قال : سمعت محمد بن عبدون يقول : سمعت أبا العباس المؤذن يقول : قال لي سري : احفظ عني ما أقول لك إن الحياء والأنس يطوفان بالقلوب ، فإذا وجدا قلبا فيه الزهد والورع حطّا وإلّا رحلا ، والحياء إطراق الروح إجلالا لتعظيم الجلال ، والأنس التذاذ الروح بكمال الجمال ، فإذا اجتمعا فهو الغاية في المنى والنهاية العظمى . قال بعض الحكماء : من تكلم في الحياء ولا يستحيي من اللّه عزّ وجلّ فيما يتكلم به فهو مستدرج . وقال ذو النون : الحياء وجود الهيبة في القلب مع حشمة ما سبق منك إلى ربك . قال ابن عطاء : العلم الأكبر : الهيبة والحياء فإذا ذهب عنه الهيبة والحياء فلا خير فيه . قال سليمان : إن العباد عملوا على أربع درجات على الخوف والرجاء والتعظيم والحياء ، وأشرفهم منزلة من عمل على الحياء لما أيقن أن اللّه تعالى يراه على كل حال استحيا من حسناته أكثر مما استحيا العاصون من سيئاتهم . وقال بعضهم : الغالب على قلوب المستحيين الإجلال والتعظيم دائما عند نظر اللّه تعالى إليهم . وأنشد الشيخ أبو النجيب السهروردي :
أشتاقه فإذا بدا * أطرقت من إجلاله
لا خيفة بل هيبة * وصيانة لجماله
الموت في إدباره * والعيش في إقباله
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 123 | الغزالي