الثاني : الهيمان إذا سكن قليلا وتكرر طروقه صار القلب متعجبا متحيرا من حسنه وبهائه وهذا هو الهيمان ، لأن حقيقة الهيمان ذهاب التماسك تعجبا وتحيرا وهو أثبت دواما .
الثالث : أنسه وتمكينه منه حتى كأنه لم يدخل عليه داخل ولم يطرقه طارق وهذا هو التمكين .
قال الشيخ رحمه اللّه : التمكين إشارة إلى غاية الاستقرار ، وذلك أن أي حالة وجدها المحب مع اللّه مرة تقوى عليه ، ومرة يقوى عليها ، ومرة يتلون ، ومرة يثبت إلى أن يتمكن فيستقر ، وهذا جار في كل حال ، فإذا استقر ارتقى إلى غيره ليكون المرتقى إليه حالا والمرتقى عنه مقاما واللّه أعلم .
واعلم : أن هذه الأحوال إن وجدها العبد في الملأ دون الخلاء فهو معول يجب عليه المحاسبة ومطالبة نفسه بالعلامات ، وإن وجدها في الخلاء دون الملاء فهو حسن ولكنه ناقص عن ذروة الكمال إذ الكمال استواء الحالات خلاء وملاء وحضرا وسفرا وفراغا وشغلا ، لأن الفراغ شرط في البداية لا في النهاية . وأما حد الواجب من المحبة : فهو الميل المسبب عن نفس الاعتقاد بأصول الإيمان فيما يتعلق بذات اللّه وصفاته ، فإن جهل أصلا من الأصول نقصت المحبة بقدره وكان عليه إثمان : إثم الجهل وإثم فقد ثمرته . وأما حقيقة الإيمان : فهو حضور القلب مع اللّه تعالى وشهوده الآثار الدالة على وجوده ، واللّه تعالى أعلم وقد قيل :
الأنس بالله لا يحويه بطال * وليس يدركه بالحول محتال
والآنسون رجال كلّهم نجب * وكلّهم صفوة للّه عمال
ومن غلب عليه حال الأنس لم تكن له شهوة إلا الانفراد والخلوة . وقال الواسطي : لا يصل إلى محل الأنس من لم يستوحش من الأكوان كلها . وقال أبو الحسين الوراق : لا يكون الأنس بالله إلا ومعه التعظيم . لأن كل من استأنست به سقط عن قلبك تعظيمه إلا اللّه تعالى ، فإنك لن تزيد به أنسا إلا ازددت منه هيبة وتعظيما .
وقد يكون الأنس ، الأنس بطاعة اللّه وذكره وتلاوة كلامه وسائر أبواب القربات . وهذا القدر من الأنس نعمة من اللّه تعالى ومنحة ، ولكن ليس هو حال الأنس الذي يكون للمحبين ، والأنس حال شريف يكون عند طهارة الباطن وكنسه بصدق الزهد وكمال التقوى وقطع الأسباب والعلائق ومحو الخواطر والهواجس . وحقيقته عندي كنس الوجود بثقل لائح العظمة وانتشار الروح في ميادين الفتوح وله استقلال بنفسه يشتمل على القرب فيجمعه به عن الهيبة وفي الهيبة اجتماع الروح وهذا الوصف أنس الذات . وهيبة الذات يكون في مقام البقاء بعد العبور على ممر الفناء وهما غير الأنس والهيبة اللذان يذهبان بوجود الفناء ، لأن الهيبة والأنس قبل الفناء ظهرا من مطالعة الصفات من الجلال والجمال وذاك مقام التلوين ، وما ذكرنا بعد الفناء في مقام التمكين والبقاء من مطالعة الذات ومن الأنس خضوع النفس المطمئنة ومن الهيبة خشوعها ، والخضوع والخشوع يتقاربان ويفترقان بفرق لطيف يدرك بإيماء الروح واللّه تعالى أعلم .