تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
قيل له : فإنا نجد اللّه قد أخبرنا في كتابه أنه من أطاع إبليس ، فإنه من العاصين المعاقبين على ارتكاب ما يأمره بركوبه ، ويزينه له ويوسوس له به ، فقال سبحانه في ذلك :
فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
[ ص : 85 ] ، فهل وجب عندك على من أطاع إبليس وعمل بما يأمره به من المعاصي عقوبة النيران ؟ فإن قال : لا ، كفر . وإن قال نعم ، ترك قوله وخرج من حد التقليد ، فلا يجد بدا من أن يقول : إن الواجب عليه عند التباس الأقوال ، واختلاف الأفنان ، أن يرجع إلى عقله في ذلك فيفكر به ، ويميز فينظر بعقله ويتخير لنفسه ، فيتفرع له من عقله من المعرفة ما يقول على اللّه به الحق ، ويذكره بما يشبهه من الذكر الذي لا يكون إلا له سبحانه فيعلم أن المعرفة كلها خارجة متفرعة من العقل ، وأنه لا يكون معرفة إلا بالعقل ومن العقل . ومن الدليل على أن المعرفة هي ثبات العقل وكماله ، بأن علمنا أن شراب الخمور ، وأهل الدعارة والشرور ، إذا شربوها زالت عنهم الألباب ، وأنها مضطرة إليه محتاجة ، تعزب بعزوبه ، وتحضر بحضوره ، وتتفرع في ثباته وتعدم عند عدومه ، فعدمت بزواله منهم المعارف حتى يطيح عنهم واضح البيان ، ويزيح بما قد كان مؤديا لهم من بين اللغة واللسان ، وحتى تلتبس عليه حلائله من أخواته ، وأمهاته من خالاته ، ويأتي على لسانه من القذف والفحش والمنكر والدناءة في النادي والجماعات ما يفضحه ويشينه ، وما « 545 » لعله لو عرض مفروجا عليه عند ثبات لبه وتفرع معرفته سوء ما كان منه إذ كان لا معرفة له بما سلف منه في حال كينونته ويأتي متيقظا « 546 » واحدا من أفعاله في عزوب لبه ما فعل ذلك أبدا ، بل لعله يود أنه كان ميتا فانيا ، مفقودا نائيا ، ولا تبين منه الأشياء الفواضح ، والأفعال الطوالح ، ففي أقل ما ذكرنا دليل على أن المعرفة لا تثبت ولا تكون إلا بالعقل ومن العقل .
هامش
( 545 ) سقط لفظ ( ما ) من ( ج ) . ( 546 ) حال من فاعل يأتي .