تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وأعطى إبليس اللعين ما أعطاه من الفهم والتمييز لأن يطيعه ولا يعصيه ، وأراد أن يطيعه تخيرا وإيثارا لطاعته ، فكانت هذه إرادة معها تمكين واستطاعة ، ولم يرد أن يطيعه قسرا ، ولا أن يمنعه من المعصية جبرا ، ( فيكون إبليس اللعين في ذلك غير محسن ولا مسيء فلم يحل بينه وبين المعصية قسرا ، ولم يحمله على الطاعة جبرا ) « 217 » فمكنه وهداه ، ثم أمره ونهاه ، فرفض - له الويل - تقواه ، واتبع هواه ، وكفر نعم ربه ، وكره تنزيله وحكمه ، فكان كما قال اللّه سبحانه :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ
[ محمد : 8 ] ، فلو كانت الكراهة لما أنزل اللّه قضاء له فيهم ، وفعلا أدخله سبحانه عليهم ، لكانت من اللّه ، لا منهم ، ولكان الكاره لتنزيله لا هم ، ولكانوا ناجين من العقاب ، وكانوا متصرفين في أمره في كل الأسباب . وكذلك المهتدون ، لو كان هو الذي فعل هداهم ، وزادهم في تقواهم ، لم يقل :
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ
[ محمد : 17 ] ، ولو كان ذلك كما يقول الجاهلون ، وينسب إلى اللّه الضالون ، لكان من اهتدى ومن كره وأبى في الأمر عند اللّه شرعا واحدا ، إذ كان كلهم في أمره وقضائه له مطيعا متقلبا متصرفا في إرادته سريعا . وأما قوله : من أين علم إبليس أن آدم يكون له ذرية ؟ وأن الموت يقضي عليهم ؟ فإن جوابنا له في ذلك : أن اللّه أعلمه ملائكته ، فسمعه إبليس من ملائكة اللّه فيما كان يسترق من السمع كما قالوا وحكى اللّه عنهم في قوله :
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً
[ الجن : 9 ] ، فكانوا - قبل أن يبعث اللّه نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ويكرمه بما أكرمه من الوحي إليه - يسترقون السمع ، فلما أن بعثه اللّه حجبهم عن المقاعد التي كانوا يقعدونها من السماء ويسترقون من الملائكة الأخبار فيها ، فيهبطون بها إلى إخوانهم من كهنة الإنس وأوليائهم ، كما قال ذو المن والجلال :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً
[ الأنعام : 113 ] ، فلما أرسل اللّه رسوله بالوحي البالغ ، والنور الساطع حجبهم عن
هامش
( 217 ) ساقط من ( أ ، ج ) .