إما أن يكون هذا العلم الذي شرحت وقلت وادعيت وذكرت علما أزليا قديما مع اللّه أوليا ، فتثبت حينئذ الأزلية لشئين ، ويصح القدم لقديمين اثنين ، وهذا فإبطال التوحيد ، والإشراك بالواحد الحميد ، ودفع ما قال في كتابه ، الذي أنزله على خير عباده ، حين يقول سبحانه وجل عن كل شأن شأنه :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ الحديد : 3 ] ، وقوله سبحانه :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
[ الزمر : 62 ] ، وكيف يكون أوليا أبديا من كان معه في الأولية ثان ؟ وكيف يخلق كل شيء من قد كان معه قبل خلق الأشياء شيء ؟ ! فتعالى عن ذلك الرحمن العلي .
أو أن يكون هذا العلم الذي ذكرت ، وفيه تكمهت وقلت شيئا أوجده الخالق المصور من بعد ، وأخرجه من العدم إلى الوجود الواحد المقدر ، فيكون في هذا غاية التجهيل لمن له القدرة المهيمن الجليل ؛ لأنه إن كان إنما علم الأشياء بما خلق من العلم وذرأ ، فقد كان اللّه الواحد الكريم من قبل إيجاد العلم غير عليم ، ومتى زال عنه في حالة من الحالات أن يكون عالما بالسرائر والخفيات ، أعقب ذلك الجهل أكبر الجهالات ، لأن العلم والجهل ضدان مختلفان ، وفي كل المعاني متباينان ، ومن نسب إلى اللّه سبحانه الجهل في حالة من الحالات أو نفى عنه العلم في وقت من الأوقات ، فقد أشرك به ، جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله ، ومن أشرك به فقد جحده ، ومن جحده فقد أنكره ، ومن أنكره فلم يعرفه ، ومن لم يعرفه فلم يعبده ، ومن لم يعبده بعرفان ، ويعرفه بغاية الإيقان ، فهو كما قال اللّه سبحانه في واضح الفرقان فيما نزل على نبيه من النور والبرهان حين يقول :
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
[ الفرقان : 44 ] وكما قال سبحانه :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
[ الأعراف : 179 ] صدق اللّه ورسوله ، إن في خلقه لمن هو كذلك ، وعلى ما ذكر اللّه سبحانه من ذلك ، من غير أن يكون أدخلهم فيه ، ولا جبلهم عليه ، تبارك وتعالى ، بل هو منهم اكتساب ، وقلة إنصاف منهم للألباب ، ومكابرة للحق ، ومعاندة للصدق ، واقتداء من الأبناء بمن مضى من جهلة الآباء ، فتبارك اللّه العالم بنفسه ، العادل في كل فعله ، الذي لم يزل عالما خابرا ، ولم يكن في وقت من الأوقات بشيء جاهلا .