[ 135 ] وأما السبب الثالث ، فهو أنه إذا صرّح بنفي الجسمية ، عرضت في الشرع شكوك كثيرة مما ( - فيما ) يقال في المعاد وفي غير ذلك .
- فمنها ما يعرض من ذلك في الرؤية التي جاءت بها السنة الثابتة . وذلك أن الذين صرحوا بنفيها فرقتان : المعتزلة والأشعرية . فأما « 81 » المعتزلة فدعاهم هذا الاعتقاد إلى أن نفوا الرؤية . « 35 » وأما الأشعرية فأرادوا أن يجمعوا بين الأمرين فعسر ذلك عليهم ، ولجئوا في الجمع إلى أقاويل سوفسطائية ، سنرشد إلى الوهن الذي فيها عند الكلام في الرؤية .
- ومنها أنه يوجب انتفاء الجهة ، في بادئ الرأي ، عن الخالق سبحانه ، أنه ليس بجسم ، فترجع الشريعة متشابهة . وذلك أن بعث الأنبياء انبنى على أن الوحي نازل إليهم من السماء . وعلى ذلك انبنت شريعتنا هذه ، أعني : أن الكتاب العزيز نزل من السماء كما قال تعالى :
« إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ »
( الدخان 3 ) وانبنى « 82 » نزول الوحي من السماء على أن اللّه في السماء . وكذلك كون الملائكة تنزل من السماء وتصعد إليها ، كما قال تعالى :
« إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ »
( فاطر 10 ) ، وقال تعالى :
« تَعْرُجُ
« 83 »
الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ »
( المعارج 4 ) . وبالجملة جميع الأشياء التي تلزم القائلين « 84 » بنفي الجهة على ما سنذكره بعد عند التكلم في الجهة .
- ومنها أنه إذا صرّح بنفي الجسمية وجب التصريح بنفي الحركة . فإذا صرح بنفي هذا عسر تصور « 85 » ما جاء في صفة الحشر من أن الباري سبحانه يطلع على « 86 » أهل الحشر وأنه الذي يتولى « 87 » حسابهم ، كما قال تعالى :
« وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا »
( الفجر 22 ) . وذلك يصعب تأويل حديث النزول المشهور « 36 » ، وإن كان التأويل أقرب إليه منه إلى أمر الحشر ، مع أن ما جاء ( 41 / و ) في الحشر متواتر في الشرع .
هامش
( 35 ) " هذا الاعتقاد " : الاعتقاد في أن اللّه ليس بجسم . " نفوا الرؤية " : رؤية اللّه يوم القيامة بالأبصار .
وسيأتي الحديث عن هذه المسألة بتفصيل في الفقرة 11 من هذا الباب .
( 36 ) نص الحديث : " ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا ، حيث يبقى ثلث الليل الآخر ، فيقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ " حديث صحيح رواه البخاري ومسلم .
( 81 ) ت ، مل 1 : " واما " .
( 82 ) . ت : " فانبنى "
( 83 ) . س : صحف لفظ الآية : " يعرج "
( 84 ) . س : " القابلين "
( 85 ) . في بقية النسخ سقط " تصور "
( 86 ) . س : " إلى "
( 87 ) س : سقط " يتولى " من المتن ، وثبت في الهامش .