الوقوف على هذا القدر من المعرفة ، إذ أغنى مراتب صناعة الكلام : أن يكون حكمة جدلية ، لا برهانية . وليس في قوة صناعة الجدل الوقوف على الحق في هذا .
فقد تبين من هذا القول القدر الذي صرّح به للجمهور من المعرفة في هذا ، والطرق التي سلكت بهم في ذلك .
[ 3 - في التنزيه : نفي المماثلة ]
[ 125 ] الفصل الرابع في معرفة التنزيه . وإذ قد تقرر من هذا « 81 » المناهج التي سلكها الشرع في تعليم الناس أولا وجود الخالق سبحانه ، والطرق التي سلكها في نفي الشريك عنه ثانيا ، والتي سلكها ثالثا في معرفة صفاته ، والقدر الذي صرح به من ذلك في جنس جنس من هذه الأجناس ، وهو القدر الذي [ إذا ] زيد فيه أو نقص أو حرّف أو أوّل ، لم تحصل به السعادة المشتركة للجميع ، فقد بقي علينا أن نعرّف « 82 » أيضا الطرق التي سلكها بالناس في تنزيه الخالق سبحانه عن النقائص ، ومقدار ما صرح به من ذلك ، والسبب الذي من قبله اقتصر بهم على ذلك المقدار . ثم نذكر بعد ذلك الطرق التي سلك بالناس في معرفة أفعاله ، والقدر الذي سلك بهم من ذلك . فإذا تم لنا هذا فقد استوفينا غرضنا الذي قصدناه ، فنقول :
[ 126 ] أما معرفة هذا الجنس الذي هو التنزيه والتقديس ، فقد صرح به أيضا في غير ما آية من الكتاب العزيز . وأبينها في ذلك وأتمها قوله تعالى :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ »
( الشورى 11 ) . وقوله :
« أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ »
( النحل 17 ) هي برهان قوله تعالى :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
. وذلك ( 39 / و ) أنه من المغروز في فطر الجميع أن الخالق يجب أن يكون إما على غير صفة الذي لا يخلق شيئا ، أو على صفة غير شبيهة بصفة الذي لا يخلق شيئا « 83 » ، وإلا كان من يخلق ليس بخالق . فإذا أضيف إلى هذا الأصل ، أن المخلوق ليس بخالق لزم عن ذلك أن
هامش
( 81 ) . س . مل 1 : ثبت " هذه " . ت : " وإذا تقرر من هذه " .
( 82 ) في بقية النسخ " يعرف " ( ولعل الصواب ما أثبتنا : نعرّف . وابن رشد يستعمل هذه الصيغة كثيرا في هذا النص ، سواء بالنسبة للشرع أو غيره ، وهي تتسق أكثر مع قوله لاحقا في الفقرة نفسها : " ونذكّر " . م . ع . ج ) .
( 83 ) . ت : سقط " أو على صفة غير . . . شيئا " .