تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القضاء والقدر — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
أخلاقه . فإذا انضمت تلك الأسباب الخارجية الاتفاقية ، إلى هذه الأسباب الستة التي ذكرناها ، ظهر حينئذ أن القول بالجبر لازم . ومثاله : إذا اتفق أن نفس الإنسان وقعت في أصل خلقتها : نفسا شديدة الاستعداد للغضب . ثم اتفق أن كان مزاج بدنه شديد الاستعداد للصفراء ثم اتفق أن كانت أعضاؤه : مواتية للقهر والاستعلاء . ثم اتفق أن كان قد نشأ فيما بين أقوام يستحسنون إمضاء الغضب ويستحقون ترك تلك الأعمال . ثم اتفق أن صار بقاء دولته ورئاسته : معلقا بإمضاء أعمال الغضب . ثم إن اتفق أن رأى شيئا ، لا يلائم طبعه . ثم اتفق أن حضر عنده أقوام يعينونه على إمضاء الغضب . ثم اتفق أن حضر عنده أقوام ، لو ترك إمضاء ذلك الغضب ، لكانوا يذمونه ويلومونه عليه . فعند اجتماع هذه الأمور بأسرها ، صار ذلك الإنسان بحيث لا يمكنه ترك تلك الأفعال الغضبية ، وأما إن اتفقت أسباب مضادة للأسباب التي ذكرناها ، فإنه يكون بحيث لا يمكنه الإتيان بالأفعال الغضبية وإن اختلط البعض بالبعض ، وتعارضت وتقاومت فالعبرة بالطرف الراجح فثبت بما ذكرنا : أن الجبر لازم على جميع التقديرات . فإن قالوا : الإنسان مع حصول جميع الأمور التي ذكرتم ، يمكنه ترك الأفعال الغضبية فعلمنا : أن صدور تلك الأفعال عنه على سبيل الاختيار ، لا على سبيل الاضطرار . فنقول : هذا هو الغلط الأخير . وعند ظهور الجواب عنه ، لا يبقى البتة فيما ذكرناه إشكال . فنقول : ما الذي تعني بقولك : « إن الإنسان مع هذه الأمور ، يمكنه ترك الأفعال الغضبية » ؟ إن عنيت به أنه يمكن أن يعرض له في مقابلة تلك الخواطر : خاطر آخر . وهو أن الأولى ترك هذه الأفعال الغضبية . فنحن نسلم : أن عند ظهور هذا الخاطر ، قد يترك تلك الأفعال الغضبية . إلا أن على هذا التقدير ، صارت تلك الدواعي التي ذكرناها ، معارضة بهذه الداعية . فصارت لتلك الدواعي التي ذكرناها ، عند حصول هذا المعارض : فائدة غير جازمة . ونحن بينا : أن الفعل إنما يجب عند حصول الداعية الجازمة . فأما عند فتور الداعية ، فالفعل ممتنع . فثبت : أن ما ذكرتموه يقوي كلامنا ، ولا يوجب ضعفه . وأن أردتم أن تلك الدواعي حال بقائها على قوتها وسلامتها عن المعارض ، يمكن أن لا توجد الفعل . فهذا ممنوع . وكيف يمكن أن يقال : الإنسان حال اجتماع تلك الأسباب الموجبة للأفعال الغضبية ، وبراءتها عن الدواعي المعارضة لها ، فإنه يمكن أن لا يأتي بتلك الأفعال ؟ . فالحاصل : أنكم إن أردتم أن سلامة أعضائه حال انضمام دواعي الترك إليها ، بدلا عن دواعي الفعل . لأمكنه ذلك . فهذا مسلم . ولا يقدح في قولنا . وإن أردتم بها أن سلامة أعضائه حال انضمام دواعي الفعل إليها ، وكانت تلك الدواعي خالية عن المعارض ، فإن مع التقدير يمكنه الترك . فهذا ممنوع . والعلم بامتناعه ضروري . ولما عرفت الكلام في هذا المثال ، أمكنك