فوجب أن يكون ترجيح جانب الضلال . وهذا برهان قاطع لا يحتمل التأويل . فثبت : أن البرهان ليس إلا من جانبنا .
قوله : « تفسير الإضلال لا يرى في اللغة » قلنا : الإضلال عبارة عن أن يعمل به عملا ، فلا يدعوه ذلك العمل إلى فعل الضلال . وإذا زين اللّه في قلبه ذلك الفعل ، وقبح عنده ضده ، دعاه ذلك التزيين إلى فعل ذلك الشيء . فكان ذلك التزيين إضلالا . ولا شك أن هذا المعنى يسمى بالإضلال ، بحسب اللغة .
قوله : إنه تعالى حكم على فرعون وإبليس والسامري بكون كل واحد منهم مضلا ، مع أن أحدا منهم لا يقدر على خلق الضلال قلنا : إن الإضلال هو فعل ما يدعو إلى الضلال .
سواء كان ذلك بسبب الأمر به ، والترغيب فيه . كإضلال فرعون وإبليس ، أو بسبب خلق الداعية الموجبة لذلك . كما في حق اللّه تعالى .
قوله : إنه تعالى أضله فما أضل قلنا : المفهوم من الإضلال فعل ما يقتضي ترجيح جانب الضلال . ثم إن المقتضي قد يصير معارضا بشيء آخر ، فيخرج عن كونه مقتضيا . وقد لا يصير كذلك .
قوله : « حمل لفظ الضلال في هذه الآيات على خلق الكفر والضلال يوجب الركاكة » قلنا :
لا نسلم .
قوله : « كيف يليق أن يقول :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
« 1 » لأجل أن يكون البيان كافيا تاما . ثم يقول عقيبة : « إني أخلق الجهل في البعض ، والعلم في البعض » ؟ قلنا : إنه تعالى بيّن أنه بعث الرسول إليهم بلسانهم ، حتى يكمل البيان ، ويظهر الدليل ، ولكنه يضل البعض ويهدي البعض ، ومع ذلك لا يظهر أنه لا يكفي في حصول الهداية تكميل البيان ، وإيضاح الحجة والبرهان . بل الدلائل وإن ظهرت ، والبراهين وإن بهرت ، إلا أنه ما لم يخلق اللّه الهداية ، لم يحصل المقصود . وهذا الكلام من هذا الوجه في غاية الانتظام . ونظيره قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ، وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى ، وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 2 » .
فثبت : أن الدلائل التي ذكروها في بيان أنه لا يمكن حمل لفظ الإضلال على خلق
هامش
والعدوان . . . فإن كان الحسن ترك هذه الأفعال فإن تركها يوجب ضرورة كون الخبر كذبا . . .
الحجة العشرون والأخيرة : لو قصد ظالم قتل نبي من الأنبياء هرب منه واختفى في دار رجل . فجاء ذلك الظالم وسأله مكانه . فههنا يجب الكذب وترك الصدق . . . » ( المطالب العالية 3 / 289 - 339 باختصار ) .
( 1 ) سورة إبراهيم الآية 4 .
( 2 ) سورة الأحكام الآية 111 .