والتأويل الثاني : إن الأصل هو التسمية بالضلال . يقال : أضله . أي سماه ضالا وحكم عليه به . وحكم فلان على فلان بالكفر ، إذا سماه كافرا .
وأنشدوا بيت « الكميت » « 1 » :
وطائفة قد أكفروني بحبكم * وطائفة قالوا : مسيء ومذنب
وقال « طرفة » « 2 » :
وما زال شربي الراح حتى أضلني * صديقي ، وحتى ساءني بعض ذلك
أراد سماني ضالا . وهذا الوجه مما ذهب إليه جمع عظيم من المعتزلة .
والتأويل الثالث : الإضلال مفسر بالتخلية وترك المنع بالقهر والجبر . يقال : أضله أي خلاه مع ضلاله . قالوا : ومجازه من قولهم : أفسد فلان ابنه وأهلكه وذم عليه . إذا لم يؤدبه . « 3 »
وقال بعضهم :
أضاعوني . وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر
ويقال لمن ترك سيفه في الأرض الندية ، حتى فسد وصدأ : أفسدت سيفك .
والتأويل الرابع : الضلال هو العذاب والإضلال هو التعذيب . والدليل عليه : قوله تعالى :
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ . يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ، ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ
« 4 » فوصفهم اللّه تعالى بأنهم يوم القيامة في ضلال . وذلك الضلال ليس إلا العذاب .
وقال تعالى :
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ ، وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ : أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا ، بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً . كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ
« 5 » وهذه الآية تدل على أن الضلال المذكور في هذه الآية هو العذاب .
والتأويل الخامس : أن يحمل الإضلال على الهلاك قال تعالى :
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
« 6 » قيل : أبطلها وأهلكها . ومجازه : من قولهم : ضل الماء في اللبن ، إذا صار مستهلكا فيه . ويقال : أضللته أنا : إذا أهلكته وصيرته كالمعدوم . ومنه يقال : أضل القوم رئيسهم . إذا واروه في قبره فأخفوه حتى صار لا يرى .
قال « النابغة » « 7 » :
هامش
( 1 ) هو الشاعر الشيعي الكميت بن زيد سنة 126 ه .
( 2 ) ليست في ديوان طرفة بن العبد المطبوع ( دار صادر بيروت ؟ ) .
( 3 ) أنظر تاريخ بغداد 13 / 363 .
( 4 ) سورة القمر الآية 47 و 48 .
( 5 ) سورة غافر الآية 71 و 74 .
( 6 ) سورة محمد صلى اللّه عليه وسلم الآية 1 .
( 7 ) ديوان النابغة الذبياني تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم . وقد وقع في النسخة المطبوعة أخطاء : مصلوه ، خلية ( بالخاء )