النوع الحادي عشر للقوم
الآيات التي تدل بصريحها على أن أفعال العباد ليست من اللّه .
فأحدها : قوله تعالى :
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ، لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ . وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ . وَيَقُولُونَ : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
« 1 » وجه الاستدلال بالآية : أنه لو كان التحريف والكذب في اللسان خلقا للّه تعالى ، لكان اليهود صادقين في قولهم : إنه من عند اللّه ، ولزم تكذيب اللّه في قوله :
وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وذلك لأنهم أضافوا إلى اللّه ما هو من عند اللّه واللّه تعالى نفى عن نفسه أنه ما هو من عنده . ثم قال الجبائي في تفسيره ، عند تقرير هذا الكلام : « وكفى هذا الخزي ، لقوم يجعلون اليهود أولى بالصدق من اللّه » .
قالوا : ولا يقال : المراد من قولهم :
هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أنه كلام اللّه وحكمه فلا جرم قال تعالى :
وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أي ما هو من كلام اللّه ولا حكمه .
قالوا : هذا السؤال باطل من وجوه :
الأول : قال الجبائي : « إن على هذا التقدير لا يبقى بين قوله :
لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ
وبين قوله :
وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
فرق . وإذا لم يبق هذا الفرق . لم يحسن العطف ، لأن عطف الشيء على نفسه فاسد » .
الثاني : قال الكلبي « 2 » : « كون المخلوق من عند الخالق آكد من كون المأمور به من عند الآمر ، وحمل الكلام على الوجه الأقوى : أولى » .
الثالث : قوله :
وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
نفي مطلق لكونه من عند اللّه وهذا ينفي كونه من عند اللّه بوجه من الوجوه . فوجب أن لا يكون من عنده لا بالخلق ولا بالحكم .
والجواب : قوله قولهم لم لا يجوز أن يكون المراد من قول اليهود إنه من عند اللّه - أنه
هامش
( 1 ) سورة آل عمران الآية 78 .
( 2 ) الكلبي هو محمد بن السائب المفسر النسابة الأخباري . توفي سنة 146 ه . بالكوفة من آثاره تفسير القرآن . أنظر المعارف 266 ، الفهرست 95 ، الوفيات 1 / 624 ، ميزان الاعتدال 3 / 61 ، الوافي بالوفيات 3 / 83 ، الأعلام 7 / 3 ، معجم المؤلفين 10 / 15 .