قوله تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ . فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ
« 1 » وثانيها : قوله تعالى :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ . لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
« 2 » وثالثها : قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ ، لَقالُوا : رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا ، فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى
« 3 » ورابعها : قوله تعالى :
أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ، وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ
« 4 » ؟ ومعلوم أن المراد منه : إنا أمهلناكم وأزلنا عذركم حتى لا يبقى لكم عذر ولا حجة علينا . وخامسها : قوله تعالى :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
« 5 » ومعلوم أن تلك المجادلة إنما تكون مع من يطالبها ويجانسها . وما ذاك إلا اللّه تعالى . فيلزم أن تكون مجادلة العبد مع اللّه . وسادسها : قوله تعالى حكاية عن الكفار :
رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى . وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
« 6 » ؟
ثم لم يقل في الجواب :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
« 7 » بل قال :
كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
« 8 » وسابعها : قوله :
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ، فَيَقُولَ : رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
« 9 » .
فهذه الآيات دالة على أن الكفار يجعلون عدم بعثة الأنبياء ، وعدم الإمهال عذرا لهم في ترك الإيمان . واللّه يقول : إني أزلت هذا العذر لئلا يبقى سؤالهم متوجها عليّ . فإذا كان هذا القدر من العذر ، وهو عدم بعثة الأنبياء عليهم السلام يقبله اللّه تعالى من الكفار فلأن لا يكون العبد ممنوعا عن الإيمان من الوجوه الاثني عشر التي ذكرناها ، لئلا يكون عذرا له في عدم الإيمان : كان أولى . بل نقول : هذا العذر أولى بالقبول . وذلك لأن اللّه تعالى لو بعث الرسل ، ولم يخلق الإيمان البتة لم يؤمن العبد البتة . ولو خلق الإيمان ، ولم يبعث الرسل ، لآمن لا محالة .
فكيف يجوز أن يزيل اللّه عذرا ، لا تأثير له البتة ولا يزيل ما هو المؤثر الأصلي ؟ فإن هذا يكون كالمناقض . وأما قوله تعالى :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
فقالوا : المراد منه : لما ثبت بالدلائل أنه تعالى لا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب ، لم يكن في السؤال عن كل واحد من التصور مزيد فائدة .
بل العلم حاصل بأن أي شيء يفعله اللّه فهو حكمة وصواب . وليس المراد بأنه تعالى بلغ في الظلم مبلغا لا يسأل عن فعله خوفا من شره كالفراعنة والجبابرة ، والذين يظلمون ولا يسألون
هامش
( 1 ) سورة المائدة الآية 19 .
( 2 ) سورة النساء الآية 165 .
( 3 ) سورة طه الآية 134 .
( 4 ) سورة فاطر الآية 37 .
( 5 ) سورة النحل الآية 111 .
( 6 ) سورة طه الآية 125 .
( 7 ) سورة الأنبياء الآية 23 .
( 8 ) سورة طه الآية 126 .
( 9 ) سورة المنافقون الآية 10 .