أكاذيب وأباطيل وأضاليل . ولما كان ذلك باطلا ، علمنا أن العبد موجد لأفعال نفسه ، ولا يقال : العبد وإن لم يكن موجدا لأفعال نفسه ، لكنه مكتسب لها . لأنا نقول : هذا اللفظ غير ملخص المعنى . إلا أنا ذكرنا في الدليل : أن المؤثر في إخراج هذه الأفعال من العدم إلى الوجود .
إما أن يكون هو العبد ، أو لا يكون . فإن كان هو العبد فقد حصل المطلوب . وإن لم يكن هو العبد ، لم يكن العبد على هذا التقدير متمكنا لا من الفعل ، ولا من الترك . وذلك يقتضي كون هذه الآيات أكاذيب . وإذا كان لا واسطة بين النفي وبين الإثبات - ونحن أبطلنا أحد القسمين - فحينئذ يبقى الثاني لا محالة . فكان إلقاء لفظ « الكسب » في هذا الموضوع : محض التزوير .
والجواب : لا شك أن القرآن مملوء من هذا النوع من الآيات . فإنكارها يكون إنكارا للقرآن ، وقد دلت الدلائل القاهرة على أن الكل بقضاء اللّه وقدره ، فلا بد من التوفيق بين البابين . فنقول : مجموع القدرة مع الداعي مؤثر في الفعل ، وخالق ذلك المجموع هو اللّه تعالى ولكون هذا المجموع مستلزما لحصول الفعل ، صحت هذه الإضافات والإسنادات . ولكون ذلك المجموع ، موجبا لوقوع هذه الأفعال ، صح أن الكل بقضاء اللّه وبقدره ، وبهذا الطريق يزول التناقض بين الدلائل العقلية وبين هذه الدلائل القرآنية .
قال مولانا الداعي إلى اللّه :
واعلم : إن هذا إنما يتم على مذهبي خاصة « 1 » . حيث قلت : مجموع القدرة مع الداعي مستلزم للفعل ، أما من لا يقول بذلك فإنه يتعذر عليه التصديق بهذه الآيات . والطريق الثاني للمعتزلة في هذا الباب : أن قالوا : ليس للفعل اسم في لغة العرب ، إلا وقد دل القرآن على إضافة الفعل إلى العبد بذلك الاسم .
واعلم : أن تلك الألفاظ ثمانية :
فالأول : العمل . قال تعالى : أ -
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ
« 2 » ب -
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا
« 3 » ج -
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها ، لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
« 4 » د -
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ . أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
« 5 » ؟
ه -
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ
« 6 » و - لمثل هذا
هامش
( 1 ) لا أرى أن مسألة القدر من المسائل التي يصح فيها أن يقال « مذهبي خاصة » لأن المسألة ليست مسألة مذهب أو رأي وإنما هي مسألة حقيقة مستفادة إما من واقع الإنسان ككائن يقع في الوسط بين عالمي الغيب والشهادة ، وإما من واقع النصوص القرآنية والحديثية بشكل لا يخل بالنصوص ، ولا يحولها إلى مجموعة مجازات لغوية . .
( 2 ) سورة فصلت الآية 46 .
( 3 ) سورة الكهف الآية 7 .
( 4 ) سورة الجاثية الآية 21 .
( 5 ) سورة ص الآية 28 .
( 6 ) سورة الصافات الآية 61 .