أما المقدمة الأولى : وهي قولنا : إنه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنيا عنها ، فتقريره يتوقف على إثبات أمور ثلاثة :
الأول : أن القبائح إنما تقبح لوجوه عائدة إليها - وتقريره سيجيء في مسألة الحسن والقبح - .
وثانيها : إنه تعالى غني عن الحاجات .
وثالثها : إنه تعالى عالم بجميع المعلومات . وحينئذ يحصل من مجموع هذه المقدمات الثلاثة ، قولنا : إنه تعالى عالم بقبح القبائح ، وعالم بكونه غنيا عنها .
وأما المقدمة الثانية : وهي قولنا : كل من كان كذلك ، فإنه لا يفعل القبيح البتة .
فتقريره : إن صدور الفعل عن القادر يتوقف على حصول الداعي ، والعلم بقبح القبيح مع العلم بالاستغناء عنه : جهة صرف وامتناع . وكون العلم الواحد داعيا صارفا مقتضيا مانعا :
محال . فثبت : أنه تعالى يمتنع أن يكون فاعلا لهذه القبائح .
الحجة السادسة : لو كان تعالى هو الخالق لأفعال العباد ، وفيها القبائح كالظلم والعبث ، لجاز أن يخلقها ابتداء ، وحينئذ يلزم أن يكون ظالما عابثا سفيها . وذلك باطل بالعقل والسمع .
الحجة السابعة : إن من جملة أفعال العباد : الإشراك باللّه ، ووصفه بالأضداد ، والصاحبة والأولاد ، وشتمه وسبه . فلو كان تعالى فاعلا لأفعال العباد ، لكان فاعلا لكل هذه الأمور ، وذلك يبطل حكمته . لأن الحكيم لا يشتم نفسه . وفي ذلك إلحاقه بالسفهاء .
الحجة الثامنة : لو جاز أن يخلق الزنا واللواطة ، لجاز أن يبعث رسولا هذا دينه . ولو جاز ذلك ، لجاز فيما سلف من الأنبياء من لم يبعث إلا للدعوة إلى السرقة ، والأفعال القبيحة ، ومدح الشيطان وعبادته ، والاستخفاف باللّه وبرسوله وبالوالدين ، وذم المحسن ومدح المسئ .
الحجة التاسعة : لو كان تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ثم يعذبه عليه . لكان ضرره على العبد أشد من ضرر الشيطان لأنه لا يمكنه أن يلجئهم إلى القبح ، بل الغاية القصوى منه : أن يدعوهم إلى القبح . كما حكى اللّه تعالى ذلك عنه في قوله :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ . إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ
« 1 » وأيضا : فدعاء الشيطان أيضا من فعل اللّه تعالى . وأما اللّه سبحانه ، فإنه يلجئهم إلى القبائح ويخلقها فيهم . ولو كان كذلك ، لكان يحسن من الكافر أن يمدح الشيطان ، وأن يذم اللّه سبحانه - تعالى اللّه علوا كبيرا - .
الحجة العاشرة : لو لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه ، لما استحق ثوابا وعقابا ، ولكان تعالى مبتدئا بالثواب والعقاب من غير حصول استحقاق لذلك . ولو جاز ذلك ، لجاز تعذيب
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم الآية 22 .