الحجة الثامنة عشر : قوله تعالى :
وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى ، أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ ، فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ . فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
« 1 » دل هذا النص : على أنه تعالى أوقع الإغراء بينهم ، حتى تقاتلوا . ولا شك أن تلك العداوة المقاتلة : أفعال قبيحة . فإن قالوا : قوله : « بينهم » راجع إلى النصارى ، وإلى من تقدم ذكرهم من اليهود ، فاللّه تعالى أغرى بين النصارى واليهود ، فيما كان يفعله كل فريق منهم من ضروب الكفر باللّه . وإنكار القبيح ليس بقبيح ، بل هو حسن . فدل ذلك على أن تلك العداوة ، ليست من القبائح .
والجواب : إن إنكار القبيح إنما يحسن إذا أنكره ، لكونه قبيحا . أما إذا أنكره لغرض أن يدعوه إلى قبيح آخر ؛ كان قبيحا . وحينئذ يحصل المطلوب .
الحجة التاسعة عشر : قوله تعالى :
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، مِنْ رَبِّكَ : طُغْياناً وَكُفْراً . وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
« 2 » والاستدلال به من وجهين :
الأول : إن قوله : « وليزيدن كثيرا منهم ، ما أنزل إليك من ربك : طغيانا وكفرا » معناه :
أن إسماع اللّه إياهم هذه الآيات ، اقتضى أن يحصل لهم زيادة ميل ورغبة في الكفر . إذا ثبت هذا فنقول : إسماع تلك الآيات ، اقتضى ترجيح فعل الكفر على فعل الإيمان . وقد دللنا على أن عند حصول الرجحان يجب الفعل . فثبت : أن إسماع اللّه تعالى إياهم هذه الآيات ، يستلزم حصول الكفر . وذلك ينافي قول المعتزلة .
والوجه الثاني في الاستدلال : قوله تعالى :
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
والاستدلال به كما تقدم .
الحجة العشرون : الاستدلال بجميع آيات الهدى والضلال . وسنفرد لذلك بابا على سبيل الاستقصاء . ولنقتصر من ذكر الدلائل القرآنية على هذا القدر . فإن من وقف على ما ذكرناه ، أمكنه الاستدلال بآيات القرآن من وجوه كثيرة ، خارجة عن الحصر . وباللّه التوفيق .
هامش
- الأول : النبوة واحتجوا عليه بقولهوَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ.
والثاني : الاهتداء لوجوه الصلاح في الدين والدنيا قال تعالىفَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً.
والثالث : أن تدخل النبوة والاهتداء تحت الرشد إذ لا يجوز أن يبعث نبي إلا وقد دله اللّه تعالى على ذاته وصفاته .
ودله أيضا على مصالح نفسه ومصالح قومه وكل ذلك من الرشد » ( التفسير الكبير 22 / 179 - 180 ) .
قلت : ومما يلفت النظر في هذه السورة أن اللّه عز وجل قال فيها في حق موسى وهارون عليهما السلام ( ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين ) ثم قال في حق إبراهيم عليه السلام ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل ) ثم قال في حق لوط عليه السلام ( ولوطا آتيناه حكما وعلما ) وفي حق سليمان وداود عليهما السلام ( ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ) . وهذا يعني أن الإيتاء المذكور يقصد به الوحي والنبوة . ويحتمل الإعداد قبل النبوة . وقد جاء الرشد في آية أخرى ونسب العلم به إلى اللّه عز وجل قال تعالى في حق موسى والخضر عليهما السلام ( قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علّمت رشدا ) فالرشد قد علمه الخضر عليه السلام بطريق خاصة ( آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ) .
( 1 ) سورة المائدة الآية 14 .
( 2 ) سورة المائدة الآية 64 .