المعتزلة ذكروا أن « ثمامة بن الأشرس » إنما منع هذا الإجماع عند « جعفر بن حرب » « 1 » جوابا عن كلام رجل من أهل السنة ، احتج بهذا الدليل . قالوا : فلما سمع « جعفر بن حرب » هذا الكلام ، قال : لما شنعت هذه المسألة ، سهلت . وهذا يدل على أن « جعفر بن حرب » كان معترفا بأن منع هذا الإجماع : شنيع .
وأما الآيات الدالة على كون العبد مشكورا على الطاعات : فهي لا تنافي كون اللّه تعالى مشكورا على تلك الطاعات . لأن الشكر هو التعظيم . وتعظيم العبد للّه ، ليس إلا المدح والثناء . وتعظيم اللّه للعبد ، ليس إلا إيصال الثواب إليه . ولا منافاة بين الأمرين . فثبت : أن كون العبد مشكورا على الطاعات ، لا ينافي كون اللّه مشكورا عليها . واللّه أعلم .
الحجة السابعة عشر : قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ . وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ
« 2 » وإيتاء الرشد ، ليس عبارة عن أصل العقل وسلامة المزاج . لأن ذلك حاصل في حق الأكثرين .
فلا يجوز ذكره في معرض المنة عليه . وليس المراد أيضا : التوفيق والبيان . لأن كل ذلك حاصل في حق الكفار . فوجب أن يكون المراد : ما حصل عنده من العلوم الكثيرة والأفعال الشريفة .
وذلك يدل على أن أفعال العبد تحصل بخلق اللّه تعالى .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الرشد : النبوة ؟ والدليل عليه : قوله تعالى :
وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ
وذلك لأنه تعالى إنما يخص بالنبوة من يعلم من حاله أنه في المستقبل يقوم بحقها ويجتنب عن كل ما لا يليق بها . ولذلك قال :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
« 3 » .
سلمنا ذلك . فلم لا يجوز أن يقال : المراد من هذا الرشد ، هو ما آتاه اللّه من العقل والفهم الكامل ؟ قوله : « العقل حاصل في حق الكل » قلنا : لفظ الرشد إنما يطلق فيمن انتفع بعقله واستعمله في تحصيل مصالحه . والجواب : إن الرشد هو الاهتداء إلى وجوه المصالح . قال تعالى :
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً . فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
« 4 » ولا يمكن أن يكون المراد والتعظيم ، ولا يجوز تخصصه بالنبوة . لأن لفظ الرشد ، مطلق ، فتقييده بالنبوة خلاف الظاهر ، فوجب حمله على كل ما كان حاصلا له من العلوم والأفعال الشريفة . وحينئذ يحصل المطلوب « 5 » .
هامش
( 1 ) هو جعفر بن حرب ، أبو الفضل ذكره ابن المرتضى في رجال الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة . ( ص 73 ) وتنسب إليه هو جعفر بن مبشر فرقة الجعفرية . درس الكلام بالبصرة على أبي الهذيل العلاف . وكان له اختصاص بالواثق . توفي سنة 236 ه . له من الكتب : الإيضاح والأصول الخمسة التي بني عليها الإسلام ، والمسترشد . راجع ترجمته ومذهبه في : طبقات المعتزلة 73 ، تاريخ بغداد 7 / 162 ، لسان الميزان 2 / 113 ، الفرق بين الفرق 167 ، الأعلام 2 / 116 ، معجم المؤلفين 2 / 136 ، تاريخ التراث العربي 2 / 402 ، التبصير في الدين 72 .
( 2 ) سورة الأنبياء الآية 51 .
( 3 ) سورة الأنعام الآية 124 .
( 4 ) سورة النساء الآية 6 .
( 5 ) الرازي في تفسيره يجعل في تفسير الرشد ثلاثة أقوال :