الفصل الثالث في التمسك بالآيات المشتملة على لفظ « الجعل » وما يجري مجراه
أعلم : أن صيغة جعل « 1 » ، قد تجيء متعدية إلى مفعول واحد ، ويكون معناها : الإحداث والتكوين . قال تعالى :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
« 2 » وقد تجيء متعدية إلى مفعولين ويكون معناها : جعل الذات موصوفة بصفة . قال تعالى :
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
« 3 »
وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
« 4 » .
إذا عرفت هذه المقدمة ، فلنذكر الدلائل :
الحجة الأولى : قوله تعالى :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
« 5 » وهذا تصريح بأن العبد لا يصير مسلما ، إلا بأن يجعله اللّه مسلما . وذلك يدل على أن الإسلام يحصل بخلق اللّه .
فإن قيل : كما أن الجعل يرد بمعنى التصيير ، فكذلك يرد لوجوه أخرى :
أولها : وصف الشيء بالشيء . قال تعالى :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ
هامش
( 1 ) قال في مفردات الراغب الأصفهاني ص 94 : « جعل لفظ عام في الأفعال كلها هو أعم من فعل وصنع وسائر أخواتها ويتصرف على خمسة أوجه :
الأول : يجري مجرى صار وطفق فلا يتعدى . نحو جعل زيد يقول كذا . . .
الثاني : يجري مجرى أوجد فيتعدّى إلى مفعول واحد نحو قوله عز وجلوَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَوَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَوالثالث : في إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه نحوجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاًوَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناًوَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا.
والرابع : في تصيير الشيء على حالة دون حالة نحوالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاًوقولهجَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًاوَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراًوقوله تعالىإِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا.
والخامس : الحكم بالشيء على الشيء حقا كان أو باطلا . فأما الحث فنحو قوله تعالىإِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَوأما الباطل فنحو قوله عز وجل :وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباًوَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِالَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ» .
( 2 ) سورة الأنعام الآية 1 .
( 3 ) سورة مريم الآية 30 .
( 4 ) سورة البقرة الآية 128 .
( 5 ) سورة البقرة الآية 128 .