الحجة الثالثة عشر : قوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما : باطِلًا
« 1 » . هذا النص يقتضي أنه تعالى خالق لكل ما بين السماء والأرض ، بشرط أن يكون خالقا لها . لا لغرض باطل . وأفعال العباد موجودة بين السماء والأرض ، فوجب كونها مخلوقة للّه تعالى .
فإن قيل : الشيء لا يوصف بأنه بين السماء والأرض ، إلا إذا كان جسما . وأفعال العباد لا تدخل تحت هذا النص . وأيضا : فهذه الآية حجة عليكم من وجوه :
الأول : إنها صريحة في أنه تعالى ما خلق باطلا أصلا . وذلك يقتضي أن خالق الكفر والمعاصي ليس هو اللّه تعالى .
الثاني : إنه تعالى قال بعده :
ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا . فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
« 2 » أضاف الظن إليهم ، وأضاف الكفر إليهم ، وتوعدهم على ذلك الكفر . وكيف يعقل أن يتوعد اللّه عباده على ما خلقه فيهم ؟ .
الثالث : إنه قال بعده :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ
« 3 » ؟ وهذا الفرق إنما يبقى معتبرا ، لو كان الصلاح والفساد من قبل العبد .
والجواب :
قوله : « الشيء لا يوصف بأنه بين السماء والأرض ، إلا إذا كان جسما » فجوابه : ما تقدم في بيان أفعال العباد : أنه يصدق عليها أنها في الأرض .
قوله : « النص دل على أنه تعالى ما خلق الباطل » قلنا : النص دل على أنه تعالى ما خلق شيئا لغرض باطل . لأن قوله : « باطلا » مفعول له . وعندنا : أن الأمر كذلك . لأن عندنا أنه تعالى لا يخلق شيئا لغرض أصلا . وإذا لم يكن له غرض ، لم يكن له غرض باطل . بل عندنا أنه تعالى يخلق الأشياء بحكم الإلهية والمالكية . فإنه ليس لأحد عليه أمر ولا نهي .
وبالجملة : ففرق بين قولنا : لا يخلق الباطل ، وبين قولنا : لا يخلق شيئا لغرض باطل .
والمذكور في النص هو الثاني ، لا الأول . وذلك لا ينفعهم ولا يضرنا . وأما بقية أسئلتهم فهي إشارة إلى أن العبد لو لم يكن موجدا لأفعال نفسه ، لامتنع أمره ونهيه ومدحه وذمه . وهذا هو شبهتهم الكبرى ، وسيجيء الجواب عنها ، إن شاء اللّه تعالى .
الحجة الرابعة عشر : قوله تعالى حكاية عن موسى - عليه السلام - :
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ، ثُمَّ هَدى
« 4 » والمراد من قوله :
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ
هو أنه خلق كل شيء .
هامش
( 1 ) سورة ص آية 27 .
( 2 ) الآية السابقة نفسها .
( 3 ) سورة ص الآية 28 .
( 4 ) سورة طه الآية 50 .