تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القضاء والقدر — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
والوجه الثاني في بيان الدلائل المتصلة بهذه الآية ، الدالة على كونها مخصوصة بما سوى أفعال العباد : أنه تعالى لما قال :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
أردفه بقوله :
فَاعْبُدُوهُ
وهذا يدل على أن العبادة ليست فعلا للّه تعالى . وبيانه من وجوه : الأول : إنه تعالى أمرهم بها ، وكيف يعقل أن يأمرهم بما لا يكون فعلا لهم . الثاني : إنه تعالى جعل كونه خالقا للأشياء ، علة لكونه مستحقا للعبادة . بدليل : أنه تعالى ، لما ذكر كونه خالقا للأشياء ، أتبعه بقوله :
فَاعْبُدُوهُ
فلو كانت عبادتهم له ، داخلة في قوله :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
لصار الشرط عين الجزاء . وهذا باطل . لأنه يصير في التقدير كأنه يقول : يا عبدي ، فعلت أنا عبادتك ، فافعلها أنت بعينها أيضا . ومعلوم أن هذا الكلام باطل . الثالث : إن قوله تعالى :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
يدل على أن خلق تلك الأشياء ، قد حصل ودخل في الوجود ، وصار مفروغا منه ، كما إذا قال قائل : فلان قاتل زيدا : فهم منه : أن ذلك القتل قد حصل ، ودخل في الوجود ، وفرغ منه . وأما قوله :
فَاعْبُدُوهُ
فهو أمر ، والأمر إنما يتعلق بما يكون حاصلا في الحال . لكنه مما سيحصل . قلت : إن كل ما دخل تحت قوله :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
فقد حصل في الحال ، ولا داخل في الوجود . وهذا يفيد القطع بأنّ الداخل تحت قوله :
فَاعْبُدُوهُ
غير داخل تحت قوله :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
. والوجه الثالث في بيان الدلائل المتصلة بهذه الآية الدالة على كونها مخصوصة ، بما سوى أفعال العباد : أنه تعالى قال بعد هذه الآية :
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ . فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها
وهذا تصريح بأن العبد مستقل بأفعال نفسه ، وأن زمام الاختيار إليه ، وأنه البتة غير مجبور على شيء من أفعاله . فهذه الوجوه الثلاثة : دلائلا متصلة بهذه الآية دالة على كونها مخصوصة ، بما سوى أفعال العباد . وأما الدلائل المخصصة المنفصلة . فهي ثلاثة : بديهية العقل ، ودليل العقل ، ودليل السمع . أما الأول . وهو بديهة العقل . فتقريره : أن أصحاب « أبي الحسين » قالوا : حسن المدح والذم والمؤاخذة والمطالبة : معلوم بالضرورة ، ونعلم أيضا بالضرورة : أن العبد لو لم يكن موجدا لأفعال نفسه ، لما حسنت هذه الأشياء ، فلما كان العلم بحسن المدح والذم ضروريا ، وكان العلم بكون العبد موجدا لأفعال نفسه أصلا لذلك العلم ، وثبت أن ما كان أصلا للعلم الضروري ، أولى أن يكون ضروريا ؛ ثبت : أن العلم بكون العبد موجدا لأفعال نفسه ، علم ضروري ، ولما جاز تخصيص عموم القرآن بدليل العقل ، فلأن يجوز تخصيصه ببديهة العقل ، كان أولى .
القضاء والقدر — صفحة 125 | فخر الدين الرازي