فهذا مجموع ما قيل في بيان أن هذا العموم غير مخصوص . لأنا نقول : أما بيان أن اللّه تعالى مسمى باسم الشيء . فلإجماع العلماء المتأخرين عليه . ولا عبرة بمخالفة « جهم » فإنه ليس ممن يعتبر قوله في الإجماع .
وأما أن هذا التعميم مخصوص . فلأن قوله تعالى :
كُلِّ شَيْءٍ
يتناول ذات اللّه . وإنما أخرجناه لما ذكرتم من القرينة . فكان هذا تخصيصا للعموم . ثم نقول : إن هذا العموم مخصوص ، فوجب أن لا يبقى حجة ، لأنه لما دخله التخصيص ، لم يبق ظاهره مرادا . فوجب صرفه إلى بعض المجازات ، وليس بعضها أولى من بعض ، فيصير مجملا . وهذا هو تقرير قول من يقول : إلا أنا نقول : لا شك أن تخصيص عموم القرآن بالدليل : جائز . وهاهنا قد وجدت دلائل متصلة بهذا النص ، ودلائل منفصلة عنه تقتضي تخصيص هذا العموم بالنسبة إلى أفعال العباد .
أما الدلائل المتصلة : فمن وجوه :
الأول : إن قوله تعالى :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
مذكور في معرض المدح والثناء . لأنه تعالى قال في سورة الأنعام :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . فَاعْبُدُوهُ . وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
« 1 » فأول هذه الآية مدح ، وآخرها مدح ، فوجب أيضا :
أن يكون المتوسط مدحا ، وإلّا لصار الكلام : ركيكا . فثبت : أن قوله :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
:
مذكور في معرض المدح والثناء على اللّه تعالى . وكونه فاعلا للجهل والكفر والقبائح والفواحش ، يوجب الذم العظيم . بل نقول : إن على مذهب المجبرة ، لا مذموم إلا وفاعله هو اللّه تعالى ، فوجب أن لا يستحق الذم أحد إلا اللّه . وأيضا : لو كان تعالى موجدا لأفعال العباد ، ثم يأمرهم بالطاعة والإيمان ، صار كأنه يقول لعبيده : يا من لا يمكن أن يفعل : افعل . وكأنه يضرب الزّمن ، ويقول له : طر في الهواء ، ويضرب الأعمى ، ويأمره بنقط المصاحف ، ويقيد يدي عبده ورجليه ويرميه من شاهق جبل ، ثم يضربه فيما بين الهواء ، ويقول له : قف . ومعلوم : أن مثل هذا الشخص لا يوجد في الدنيا ، أشد استحقاقا للذم منه .
فثبت بما ذكرنا : أن قوله تعالى :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
مذكور في معرض المدح والثناء ، وثبت أن كونه خالقا لأفعال العباد ، يوجب الذم العظيم ، فصارت هذه القرينة : قرينة دالة على أن عموم قوله :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
: مخصوص ، بما سوى أفعال العباد .
هامش
- أصول الأحكام للآمدي ( 2 / 296 ) ؛ حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع للسبكي ( 1 / 429 ) ؛ شرح تنقيح الوصول للقرافي ( ص 221 ) ؛ منتهى ابن الحاجب ( ص 118 ) ؛ روضة الناظر ( ص 211 ) والتقرير والتحبير شرح تحرير الكمال بن الهمام ( 1 / 229 ؛ وتيسير التحرير لمحمد أمين 1 / 256 ؛ وفواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت - لابن عبد الشكور - والشرح لعبد العلي الأنصاري ( 2 / 280 ) ؛ وإرشاد الفحول للشوكاني ( ص 130 ) .
( 1 ) سورة الأنعام الآية 102 - 103 .