لفيض الجود واللطف فإنه تعالى لا بدّ أن يفيض لطفه ، إذ لا بخل في ساحة رحمته ولا نقص في جوده وكرمه .
وليس معنى الوجوب هنا أن أحدا يأمره بذلك فيجب عليه أن يطيع . . .
تعالى عن ذلك ، بل معنى الوجوب في ذلك هو كمعنى الوجوب في قولك : إنه واجب الوجود « أي اللزوم واستحالة الانفكاك » .
من الأدلة على لزوم بعثة الأنبياء قاعدة اللطف ، أي أنّ مقتضى لطفه ورحمته وعدله وحكمته عزّ وجلّ وتبارك اسمه أن يبعث للناس رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وينذرهم عمّا فيه فسادهم ويبشّرهم بما فيه صلاحهم ، وقد أشار المصنف إلى فلسفة اللطف ومغزاه بشكل إجمالي وعلينا التفصيل ، لذا لا بدّ من الإشارة إلى عدة نقاط :
النقطة الأولى : معنى اللطف وماهيته :
عرّفه المتكلمون بأنه شيء يكون المكلّف معه أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد عن المعصية ، ولم يكن للمكلّف حظ في التمكين ولم يبلغ حدّ الإلجاء .
فقد اشتمل التعريف على قيود ثلاثة : الأول : أنّ اللطف مقرّب للطاعة ومبعّد عن المعصية .
الثاني : أن لا يستوجب اللطف حصول التمكين .
الثالث : أن لا يستوجب الإلجاء .
أما القيد الأول : فيمثّل له ببعثة الأنبياء ونصب الحجج عليهم السّلام فإنّ بعثتهم وتنصيبهم من قبله تعالى واجب لأنهم مقرّبون إلى الطاعة ومبعدون عن المعصية .
وأما القيد الثاني : فمعناه : أن يكون المكلّف بدون اللطف متمكّنا من فعل الطاعة وترك المعصية ، وبهذا القيد تخرج القدرة والآلات التي يتمكّن بها من إيقاع الفعل فإنّ هذه جميعها لها حظ في التمكين إذ بدونها لا يمكن إيقاع الفعل ، والمراد من الآلة هي المقدمة التي يتوقف عليها حصول الواجب كالسفر إلى الحج ، فإن السفر مقدمة لحصول الواجب وهو الحج ، فالسفر لا يسمّى لطفا لأنّ له حظا في تمكين