تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
حاكمة على كل دين لا يلبّي حاجات أتباعه ومريديه هو ناقص ، وحيث إن الإسلام دين متكامل بقوانينه ودساتيره ونظمه وأحكامه فهو ناسخ لكل الشرائع المتقدمة عليه ، فبحكم هذا كله لا بدّ أن يكون الإسلام حاضرا للجواب عن كل مسألة ، وأن يعطي لكل شبهة حلّا ، ولكل واقعة حكما وإلّا اعتبر ناقصا بحاجة إلى من يكمله فيكون منسوخا لا ناسخا ومحكوما لا حاكما ، ومحتاجا لا غنيا . وفي هذه النقطة لا بدّ من توضيح أمرين : الأمر الأول : ماهية الحكم : إن الحكم هو الاعتبار الشرعي المتعلق بأفعال المكلّفين ، وهو حاجة ملحّة لتعيين الوظيفة السلوكية للفرد والجماعة لئلا ينغمر كليا بمشتهيات الطبيعة ناسيا لذكره تعالى والفوز بلقائه . وبعبارة : الحكم هو التقنين الصادر منه تعالى لتنظيم حياة البشر ، وقد تنبّه الإنسان إلى نوع تحقق من هذا القبيل في الوظائف المولوية والحقوق الدائرة بين الناس ، فإنّ الموالي والرؤساء إذا أمروا بشيء فكأنما يعقدون التكليف على المأمورين ويقيدونهم به عقدا لا يقبل الحل وتقييدا لا يسعهم معه الانطلاق ، وكذلك مالك سلعة معيّنة أو ذو حقّ معين كأنّ بينه وبين سلعته نوع التئام واتصال بحيث يمنع أن يتخلل غيره بينه وبين سلعته بالتصرف فيها ، فلو نازعه أحد ما عليها ليتملّكها كأنّ يدعيها لنفسه دون صاحبها الأصلي ، فهو بعمله يكون قد استوهن هذا العقد والإحكام لأنّ الحكم لغة العلم والفقه والقضاء بالعدل ، فالحكم يولّد هذه الأمور الثلاثة بحيث يربط المكلّفين المتمسكين به من أن يسترسلوا بمشتهياتهم كيفما كان ، لذا فالحكم منه الحكمة وهي علم يرفع الإنسان عن فعل القبيح مستعار من حكمة اللجام وهي ما أحاط بحنك الدابة يمنعها الخروج . فبذا يعرف أن الحكم هو قيد يمنع الإنسان من الانفلات والاسترسال في الشهوة ، لذا ترى كل العقلاء يسنّون أحكاما وضعية يقيّدون بها الإطلاق في تصرفاتهم التي ربما تؤدي إلى اختلال في نظم حياتهم ومعاشهم ، لذا لا تخلو أمة من تقييد نفسها بقوانين معيّنة حذرا من الانفلات والاختلال ، لتكون أمة منظّمة العلائق والسنن ، وهذا أمر فطري جرى عليه المخلوق الأرضي ، فالمتدبر بتصرفات بعض الحشرات يرى بوضوح العلاقة الغريزية المستحكمة فيما بينها ،