تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
إنّ أفعال العباد مخلوقة للباري حقيقة ، والعبد مكتسبها حقيقة « 1 » . فالفرقتان الأخيرتان تقران بالكسب ، وحقيقة الكسب راجع إليهما وتبعهم على ذلك أبو الحسن الأشعري ، لتقدّمهما على الأخير المتوفي سنة 324 ه . والحافز الذي دعاهم للقول بنظرية الكسب المضافة إلى الجبر هو هروبهم من الإشكالات المتوجهة إلى عقيدة الجبر . أما ما هو الكسب الذي اضطربت عبارات القوم في تفسيره حتى صار من الألغاز التي يعسر فهمها إلّا على الأوحدي ؟ أقول : قد عرّفه القوم بأنّه عبارة عن قيام الباري بإيجاد الفعل مقارنا لإرادة العبد وقدرته من دون أن يكون لقدرة العبد تأثير . قال القوشجي أحد علماء العامة في شرحه على كشف المراد ص 445 ط قم : « المراد بكسبه إياه ، مقارنته لقدرته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له » .

توضيح ذلك بالتقرير التالي :

لا شك أن الكسب عند الأشاعرة ما هو إلّا عبارة عن قدرة الإنسان على الفعل ، حيث نرى بالوجدان فرقا بين المتكلم والأخرس وفي نفس الوقت توجد إلى جانب قدرة الإنسان هذه قدرة اللّه تعالى لأنه قادر على كل مقدور ، وبما أنه لا يجتمع قادران على مقدور واحد فلا بدّ أن يستند الفعل إلى إحدى القدرتين ، إما إلى قدرة اللّه تعالى ، وإمّا قدرة العبد وحدها ، ولمّا كانت قدرة اللّه أقدم وأعمّ وأقوى أسند إليها الفعل ، وإسناد الفعل إلى قدرة اللّه لا يستلزم انتفاء قدرة العبد عليه ، بل هي موجودة ومقارنة لقدرته تعالى ، وهذا الاقتران بالذات يقال له الكسب وبه يصح التكليف والثواب والعقاب والمدح والذم وبه ينزّه اللّه تعالى عن الظلم لأنّ قدرة العبد على الفعل متحققة في نفس الأمر والواقع . ينقض على نظرية الكسب : أولا : إنّ ما ادّعاه أصحاب الكسب من أنّ قدرة العبد مقارنة لقدرة الرب يستدعي أن يكون وجود القدرة عند العبد وعدم وجودها سيّان ما دامت غير
هامش
( 1 ) نفس المصدر : ج 1 ص 91 .