تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
ونقول بنفس هذا المعنى - تقريبا - في هذا العالم : فإنّ هذه الموجودات الآن موجودة ( بالوجود التفصيلي ) ، معلولة في النهاية ( لعلل بسيطة ) خارجة عن عالم ( المادة والطاقة ) وعلى هذا : فيما أن العلة لا بدّ من أن تكون مشتملة على جميع الكمالات الأصلية في معلولها ، وأصل وجود المعلول يجب أن يكون موجودا في علته ، بحكم قاعدة : ( فاقد الشيء لا يعطيه ) . على هذا : يجب أن نقول : إن ( القضاء ) بمعنى وجود أصل المعلول في العلة من دون أي حد ، ورسم : مقدم على ( التقدير ) بمعنى وجود المعلول محدودا مقيدا بخصائصه الوجودية في عالم المادة . ومن وجهة النظر هذه يكون بإمكاننا أن ندّعي : أن القرآن الكريم أيضا قد أشار إلى هذا المعنى إشارة دقيقة حيث يقول :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
فقد عبّر عن ( الوجود الإجمالي ) للأشياء ب ( الخزائن ) كما عبّر عن ( الوجود التفصيلي ) لها ب ( القدر المعلوم ) . وعلى وجهة النظر هذه يتخذ ( القضاء والقدر ) معنى آخر ، يتقدم به ( القضاء ) بمعنى ( الوجود الإجمالي ) على ( القدر ) بمعنى ( الوجود التفصيلي ) ، ويكون ( القضاء ) حينئذ مصدرا لوجود ( القدر ) ] « 1 » . إنّ ما ذكره العلّامة السبحاني في دعواه المتقدّمة ( من أن مجموع العالم المادي وجود تفصيلي لعالم إجمالي سابق ، وأن جميع هذه الموجودات في هذا العالم كانت موجودة بصورة إجمالية في العالم السابق ) غير سديد بإطلاقه ، وذلك لأنه إن كان المراد من الوجود الإجمالي في الماديات المركبة الوجود المثالي دون الحقيقي فهذا صحيح وهذا لا يفرق في تعلق القضاء فيه بين كونه ماديا أو مجرّدا ، وإن كان المراد من الوجود الإجمالي تعلّق العلم الإلهي التفصيلي فإنه شامل للمجرّد والمادي معا . وأما قياسه العلم الإجمالي التابع للبشر بالعلم الإلهي فقياس مع الفارق إذ إن علم الباري إحاطي أما علم المخلوق فموهوبي وكسبي ، وكيف يقاس الإحاطي الذاتي بالموهوبي العرضي ؟ !
هامش
( 1 ) القضاء والقدر للسبحاني : ص 92 - 94 .
الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية — صفحة 312 | الشيخ محمد جميل حمود