تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
وجه الدلالة : أن الكافرين قد أمروا أن يسمعوا الحق وكلّفوا به مع أنهم
ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ . . .
فدلّ ذلك على جواز التكليف بما لا يطاق ، ودلّ على أنّ من لم يقبل الحق ولم يسمعه لم يكن مستطيعا . والجواب : إنّ الآية بصدد عدم استطاعتهم على السمع لتماديهم في الظلم والغي وإحاطة ظلمة الذنوب على قلوبهم وأعينهم وأسماعهم ، حيث صيّر العصيان والطغيان القلوب ميتة والأسماع صمّاء ، قال تعالى :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ
. الآية الثانية : قوله تعالى :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 32 ) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 33 )
( البقرة / 32 - 33 ) . قالوا : انه سبحانه كلّف الملائكة بإنباء الأسماء فقالوا له
لا عِلْمَ لَنا
فأمرهم بالإنباء مع كونهم ليسوا بعالمين دليل التكليف بما لا يطاق . يلاحظ عليه : إنّ الأمر في قوله تعالى :
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ
للتعجيز لا للتكليف والبعث نحو الإنباء حقيقة ، هذا نظير قوله تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
. إلى هنا تبيّن أن التكليف بغير المقدور مما تأباه العقول وتنكره أدلّة المنقول ، وما استدلّ به العامة فمبنيّ على المرتكزات التي يسيرون على ضوئها منها عدم تأثير قدرة العبد في فعله وليس العبد إلّا ظرفا للفعل كما تقدم .

الأمر الثالث : الجاهل المقصّر معاقب :

مرة يكون الجاهل قاصرا بمعنى أنه لم يتمكن من السؤال لمانع أو لقصور في ذاته ، فهذا معذور عند اللّه تعالى ولا عقاب عليه إذ إنه تعالى لا يعاقب إلا بعد البيان ووصول البرهان وحيث لا بيان وأصل للمكلّف فلا عقاب . وبعبارة أخرى : انّ الجهل من الأعذار العقلية والشرعية ، فالجاهل بالحكم قصورا لا تقصيرا معذور ، أما المقصّر فهو كالعامد في عدم العذر واستحقاق العقاب ، فلا عقاب على من لم يتنجز عليه التكليف لأن المؤاخذة فرع وصول التكليف وتنجزه بحق
الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية — صفحة 281 | الشيخ محمد جميل حمود