تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فضائح الباطنية — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
مخرج لهم عنه . فإن قيل : هذا سر لا يجوز إفشاؤه إلى عوام الخلق فلهذا لم يفشه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن حق النبي أن يفشيه إلى سوسه الّذي هو وصيه وخليفته من بعده ؛ وقد أفشاه إلى عليّ دون غيره - قلنا : وعليّ هل أفشاه إلى غير سوسه وخليفته ، أم لا ؟ فإن لم يفشه إلّا إلى سوسه ، وكذا سوس سوسه وخليفة خليفته إلى الآن - فكيف انتهى إلى هؤلاء الجهّال من العوام حتى تناطقوا به وشحنت التصانيف بحكايته ، وتداولته الألسنة ؟ فلا بد أن يقال : إن واحدا من الخلفاء عصى وأفشى السر إلى غير أهله فانتشر ، وعندهم أنهم معصومون لا يتصور عليهم العصيان ؟ فإن قيل : السوس لا يذكره إلا مع من تعاهده عليه - قلنا : وما الّذي منع الرسول صلى اللّه عليه وسلم من أن يعاهد ويذكره إن كان يجوز إفشاؤه مع العهد ؟ فإن قيل : لعله عاهد وذكر ، ولكن لم ينقل لأجل العهد الّذي أخذ ممن أفشى إليه . قلنا : ولم انتشر ذلك فيكم وأئمتكم لا يظهرون ذلك إلّا مع من أخذ العهد عليه ؟ وما الّذي عصم عهد أولئك دون عهد هؤلاء ؟ ثم يقال : إذا جاز إفشاء هذا السر بالعهد فالعهد يتصور نقضه ، فهل يتصور أن يفشيه إلى من يعلم الإمام المعصوم أنه لا ينقضه ، أو يكفى أن يظنه بفراسته واجتهاده واستدلاله بالأمارات ؟ فإن قلتم : لا يجوز إلا إلى من علم الإمام المعصوم أنه لا ينقضه بتعريف من جهة الله ، فكيف انتشرت هذه الأسرار إلى كافة الخلق ، ولم تنتشر إلا ممن سمع ؟ فإما أن يكون المبلغ ناقضا للعهد ، أو لم يعاهد أصلا . وفي أحدهما نسبة المعصوم إلى الجهل ، وفي الآخر نسبته إلى المعصية ، ولا سبيل إلى واحد منهما عندهم . وإن زعمتم أنه يحل الإفشاء بالعهد عند شهادة الفراسة في المأخوذ عليه عهده أنه لا ينقضه استدلالا بالأمارات ففي هذا نقض أصل مذهبهم ، لأنهم زعموا أنه لا يجوز اتباع أدلة العقل ونظره ، لأن العقلاء مختلفون في النظر ، ففيه خطر الخطأ - فكيف حكموا بالفراسة والأمارة التي الخطأ أغلب عليها من الصواب ، وفي ذلك إفشاء سر الدين هو أعظم الأشياء خطرا ؟ وقد منعوا التمسك بالظن والاجتهاد في الفقهيات التي هي حكم بين الخلق على
فضائح الباطنية — صفحة 65 | الغزالي