تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فضائح الباطنية — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
وظنية ولكل واحد من القطع والظن مسلك يفضى إليه ويدل عليه . وتعلم ذلك ممن يعلمه ، ولو من أفسق الخلق ، ممكن ، فإنه لا تقليد فيه ، وإنما المتبع وجه الدليل . وأما السمعيات فمسندها سماع : إما متواتر ، وإما آحاد ، والمتواتر تشترك الكافة في دركه ، ولا فرق بين الإمام وبين غيره ؛ والآحاد لا تفيد إلا ظنا ، سواء كان المبلغ إليه أو المبلغ الإمام أو غيره . والعمل بالظن فيما يتعلق بالعمليات واجب شرعا ، والوصول إلى العلم فيه ليس بشرط ، ولذلك يجب عندهم تصديق الدعاة المنتشرين في أقطار الأرض ، مع أنه لا عصمة لهم أصلا ، وكذلك كان ولاة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في زمانه ، فإذا لا حاجة إلى عصمة الإمام ، فإن العلوم يشترك في تحصيلها الكل . والإمام لا يولد عالما ولا يوحى إليه ، ولكنه متعلم . وطريق تعلم غيره كتعليمه ، من غير فرق . فإن قيل : فلما ذا نحتاج إلى الإمام إذ كان يستغنى عنه في التعليم ؟ قلنا : ولما ذا يحتاج في كل بلد إلى قاض ؟ وهل يدل الاحتياج إليه على أنه لا بدّ أن يكون معصوما ؟ فيقولون ؛ إنما نحتاج إليه لدفع الخصومات ، وجمع شتات الأمور ، وجزم القول في المجتهدات ، وإقامة حدود الله تعالى ، واستيفاء حقوقه وصرفها إلى مستحقيها إذ لا سبيل إلى تعطيلها ، ولا سبيل إلى تفويضها إلى كافة الخلق فيتزاحمون عليها متقاتلين ويتكاسلون عنها متواكلين ومتخاذلين ، فتعطل الأمور ؛ فجملة الدنيا في حق الإمام كبلدة واحدة في حق القاضي ، فكما يستغنى عن عصمة القاضي في البلد ويحتاج إلى قضائه فكذلك يستغنى عن عصمة الإمام ويحتاج إليه كما يحتاج إلى القضاة ولأمور أخر كلية سياسية : من حراسة الإسلام ، والذب عن بيضته « 1 » والنضال دون حوزته ، وحشد العساكر والجنود إلى أهل الطغيان والعناد ، وتطهير وجه الأرض عن الطغاة والبغاة والساعين في الأرض بالفساد وملاحظة أطراف البلاد بالعين الكالئة ، حتى إذا ثارت فتنة بادر إلى الأمر بتطفئتها ، وإذا نبغت
هامش
( 1 ) بيضة القوم : حوزتهم وحماهم ؛ الذب عن بيضته : الدفاع عن حماه .
فضائح الباطنية — صفحة 130 | الغزالي