تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
وصار حكمه حكم لعلم من غير فرق . واعلم أن هذه الطريقة - مع احتياجها إلى تقرير معنى التأثير ، وحصر الموانع بأسرها ونفيها - مما لا حاصل لها ، وذلك أنه لا يخفى أن تعلق الشيء بغيره ليس مما يتم بانتفاء التأثير وزوال المانع ، بل لا بدّ من بيان الصلاحية للتعلق بين المتعلقين ولو انتفى كل ما يقدر من الموانع ، وعند العود إلى بيان الصلاحية والقبولية يرجع الكلام إلى الوجود وتصحيحه للتعلق ، وقد انتهى القول فيه . فإذا التحقيق في إيضاح الطريق يتوقف على بيان معنى الإدراك والكشف عن حقيقته ، فنقول : الإدراك عبارة عن كمال يحصل به مزيد كشف على ما يخيل في النفس من الشيء المعلوم من جهة التعقل بالبرهان أو الخبر . ولهذا نجد التفرقة بين كون الصورة معلومة للنفس مع قطع النظر عن تعلق الحاسة الظاهرة بها وبين كونها معلومة مع تعلق الحاسة بها ، فإذا هذا الكمال الزائد على ما حصل في النفس بكل واحدة من الحواس هو المسمى إدراكا كما مضى ، وقد بينا أن هذه الإدراكات فيما مضى ليست بخروج شيء من الآلة الدراكة إلى الشيء المدرك ولا بانطباع صورة المدرك فيها ، وإنما هو معنى يخلقه اللّه تعالى في تلك الحاسة ، وقد بينا أن البنية المخصوصة ليست بشرط له كما مضى ، بل لو خلق اللّه ذلك المعنى في القلب أو غيره من الأعضاء لقد كنا نسمي ذلك مدركا ، وإذا جاز أن يخلق اللّه تعالى في الحاسة زيادة كشف وبيان بالنسبة إلى ما حصل في النفس فلا محالة أن العقل لا يحيل أن يخلق اللّه - تعالى - للحاسة زيادة كشف وإيضاح بالنسبة إلى ما حصل في النفس من العلم به ، وأن تسمى تلك الزيادة من الكشف إدراكا ، والجاحد لذلك خارج عن العدل والإنصاف ، منتهج منهج الزيغ والانحراف . ومن عرف سر هذا الكلام عرف غور كلام أبي الحسن في قوله : إن الإدراك نوع مخصوص من العلوم ، لكنه لا يتعلق إلا بالموجودات ، وإذا عرف