قلت : قد حررنا الجواب عنه في شرحنا على المختار السابع والعشرين من كتب النهج المعنون بقول الرضي : « ومن عهد له عليه الصلاة والسلام إلى محمد بن أبي بكر حين قلّده مصر » ومن كلامه - عليه السلام - في العهد : « فمن أقرب إلى الجنّة من عاملها ، ومن أقرب إلى النار من عاملها » - إلى قوله : « فاحذروا نارا قعروها بعيد وحرّها شديد وعذابها جديد » .
وأما ما اهديناه في الشرح فهو ما يلي :
قوله عليه السلام : « فمن أقرب الخ » تحت هذا الكلام سرّ لمن كان له قلب ، لأنه - عليه السلام - قال : « فمن أقرب إلى الجنّة من عامل الجنّة » ، وكذا من أقرب إلى النار من عامل النار ؟ فمن عمل الحسنات فهو عامل الجنّة ، ومن ارتكب السيئات فهو عامل النار .
ولم يقل - عليه السلام - : فمن أقرب إلى الجنّة ممّن عمل ما يجرّه إلى الجنّة ، أو من أقرب إلى النار ممّن عمل ما يدخله النار ، ونحوهما من العبارات ؛ فمن عمل الحسنات فهو عامل جنّته ، ومن عمل السيئات فهو عامل ناره ، فتبصّر .
قال - تعالى - :
« كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ »
« 1 » .
وقال - تعالى - :
« يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً »
« 2 » .
وقال - تعالى - :
« وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
« 3 » لم يقل بما كنتم أو مما كنتم أو نحوهما ، فتدبر .
قوله عليه السلام : « فاحذروا نارا الخ » أما كونها بعيدة القعر فلأنّها من دار الآخرة ، وقال - عزّ من قائل - :
« وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ »
« 4 » فنارها حية بحياتها الذاتية لها ؛ فإذا أضفت كلامه هذا إلى قوله - عليه السلام - : « ومن أقرب إلى النار من عاملها » ينتج انها ليست من عالم الخلق ، بل هو من عالم الامر ، وكل ما في عالم الأمر غير متصفة بصفات الخلق الناقصة المحدودة جدا ، المستحيلة المتبدّلة آنا فآنا ؛ فظهر معنى كونها بعيدة القعر لمن وقف على ما أشرنا إليها موجزة .
قال بعض الأعاظم : ومن أعجب ما روينا عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله -
هامش
( 1 ) . البقرة : 168 .
( 2 ) . آل عمران : 30 .
( 3 ) . يس : 54 .
( 4 ) . العنكبوت : 65 .