والنفس الانسانية في بداية تكوّنها وأول خلقتها هي بالقوة في نشئاتها الثلاث لأنها كانت قبل وجودها في ممكن الامكان وكتم الخفاء كما - تعالى - :
« وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً »
« 1 » ؛ وقوله - تعالى - :
« هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً »
« 2 » .
وكل ما كان وجوده أولا بالقوة فلابد أن يكون متدرج الحصول في أصل الوجود وكمالاته .
ويكون مترقيا من الأدنى إلى الاعلى ، ومتدرجا من الأضعف إلى الأقوى . فلها في كل من نشئاتها الثلاث مراتب وهي قوة واستعداد وكمال » .
أقول : ان الانسان يطلع بماله من النشئات على ما يسانخها من نشئات العالم فبطبعه يكسب العلم بالطبيعيات ، وبمثاله يطلع على ما في المثال المنفصل ، وبعقله على المثل الآلهية التي هي الأسماء العظام من الملائكة المقربين كالمهيّمين وغيرهم . ولولا هذه البضاعة له لما كان له الخروج من القوة إلى الفعل بتحصيل الملكات الكريمة العلمية والعملية . ومن تفوّه بعدم امكان تحصيل المعارف وكسب العلوم فهو بمعزل عن التحقيق ، وتطرده يدا العقل والنقل وهذا هو منطق الوحي :
« وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
« 3 » وقد تقدم بيان الكريمة في العيون السابقة .
وقال سبحانه :
« الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ »
« 4 » . وقال - عزّ من قائل - :
« إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً »
« 5 » وقال - تعالى شأنه - :
« قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
« 6 » وقال - عزّ وجلّ - :
« وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً »
« 7 » . وآيات أخرى في ذلك كثيرة جدا ، والأحاديث الواردة عن بيت العصمة والوحي في التحريض على التعلم والتعليم متظافرة .
14 - ومنها التعبير عن الحركة في الجوهر بالتبدل تأسيّا بالصحف العرفانية ، حيث قال : فالنشأة الأولى بائدة دائرة متبدلة . وقال القيصري في الفصل الحادي عشر من فصول
هامش
( 1 ) . مريم : 9 .
( 2 ) . الدهر : 1 .
( 3 ) . النحل : 79 .
( 4 ) . العلق : 4 - 5 .
( 5 ) . الأنفال : 30 .
( 6 ) . يونس : 102 .
( 7 ) . طه : 115 .