وتوضيح ذلك أنّ مواد الاشخاص الأخروية ومتعلقاتها وما يكون بمنزلة البذور للأشجار والنطف للحيوانات والهيولي للعقليات ، انما هي التصورات الباطنية والتخيّلات النفسانيّة والتأملات العقلية لأن الدار الآخرة وكلّ ما فيها ليست من جنس هذه الدار وما فيها .
فما في الدنيا له مادة جسمانية تطرأ عليها صورة أو نفس من خارج بإعانة أسباب خارجية وأوضاع وحركات فلكية ، ولأجسامها الحيوانية حيوة عرضية .
وما في الآخرة من الجنّات والأشجار والأنهار وغيرها أرواح هي بعينها صور معلقة قائمة بذاتها ، حيوتها نفس ذاتها .
وكل نفس انسانية مع ما يتعلق بها من الحور والقصور والأشجار والأنهار جميعها موجودة بوجود واحد ، وحيّة بحيوة واحدة . والمجموع مع وحدته الشخصية متكثر الصور ، فهي الكل في وحدتها .
والانسان إذا انقطع عن الدنيا وتجرّد عن لباس هذا الأدنى وكشف عن بصره هذا الغطاء كانت قوته الادراكية قدرة ، وعلمه غيبا ، وغيبه شهادة ، فيصير مبصرا لنتائج اعماله وأفكاره ؛ ومشاهدا لآثار حركاته وافعاله ، قاريا لصحيفة أعماله ، ولوح كتابة حسناته وسيئاته .
كما قال تعالى :
« وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً »
« 1 » .
وممّا يدل على أن الانسان الكائن في الدار الآخرة غير متكون من مادة طبيعيّة بل من صورة نفسانية ادراكية ، قوله تعالى :
« وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ »
« 2 » . وقوله :
« إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ »
« 3 » . ومعلوم ان ما في عليين ليس مخلوقا من المادة الجسمانية .
فعلم أن المرء متكوّن في القيامة من معلومه ومعتقده : فإن كان معلومه من باب الشهوات المذمومة ، والأماني الباطلة ، والأهواء الفاسدة ، تكون من أهل النار والعذاب محترقا بنار الجحيم يكون كتابه في سجين .
وان كانت معلوماته من باب الأمور القدسية ومعرفة اللّه وملائكته وكتبه ورسله ،
هامش
( 1 ) . الإسراء : 13 - 14 .
( 2 ) . الواقعة : 61 .
( 3 ) . المطففين : 18 .