على الاستقصاء محرر في كتابنا اتحاد العاقل بمعقوله .
ومن الاسرار الغامضة في هذه العين ، الوصول إلى وجه كون الجزاء وفاقا للعمل ، كما أن ربط جميع الفروع والأثمار إلى الأصول والأشجار كذلك . وفي المأثور : فأنما هي اعمالكم ترد عليكم « 1 » . ثم الغور في الروايات الواردة في هذا المعنى لعلّه يسلك الطالب المستعد إلى بيان تلك الأسرار ويفتح له بابا في ذلك . وقال - سبحانه - :
« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا »
« 2 » .
ومن كلام فيثاغورس الحكيم الإلهي وهو من أعاظم الحكماء الأقدمين : « انك ستعارض لك في افعالك واقوالك وأفكارك وسيظهر لك من كل حركة فكرية أو قولية أو عملية ، صورة روحانية وجسمانية : فان كانت الحركات غضبية أو شهوية صارت مادة لشيطان يؤذيك في حياتك ، ويحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك . وان كانت الحركة عقلية صارت ملكا تلتذ بمنادمته في دنياك وتهتدي به في اخراك إلى جوار اللّه ودار كرامته » .
وكلامه الشريف قد أمضاه الشريعة المحمّدية البيضاء ومفاد الآيات في ذلك كثير ، ولسان الروايات فيه متظافر .
وينبغي في المقام نقل طائفة من الحكمة المتعالية في أن الانسان الكائن في الدار الآخرة غير متكون من مادة طبيعيّة وأن صورته في الآخرة نتيجة عمله وغاية فعله :
ومما يشير إلى أن صورة كل انسان في الآخرة نتيجة عمله وغاية فعله في الدنيا قوله - تعالى - في حق ابن نوح - عليه السلام - أنه عمل غير صالح ، على قراءة فتح الميم .
وفي القرآن آيات كثيرة دالّة على أن كلّ ما يلاقيه الانسان في الآخرة ويصل اليه من الجنّة وما فيها من الحور والقصور والفواكه وغيرها ، والنار وما فيها من العقارب والحيات وغيرها ، ليست الا غايات افعاله وصور أعماله وآثار ملكاته . وانما الجزاء هناك بنفس العمل باعتبار ما ينتهي اليه كقوله تعالى : ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون . وقوله
« إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
« 3 » ، لم يقل مما كنتم تعملون تنبيها على هذا المعنى . وقوله :
« جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ »
« 4 » .
هامش
( 1 ) . الخبر بطوله في قوت القلوب لأبي طالب المكي ، ط ( مصر ) ، 1381 ه . ق ، ص 457 .
( 2 ) . العنكبوت : 70 .
( 3 ) . تحريم : 7 .
( 4 ) . فصّلت : 28 .