ثم قال سبحانه :
« وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً »
ففي نحو قوله - تعالى شأنه - :
« أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ »
« 1 » لا يدل خلود صحبة النار على خلود العذاب .
ثم قال سبحانه :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ »
« 2 » وقال - عزّ شأنه - :
« كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ »
« 3 » فالزبانية هم الملائكة الذين عبر عنهم بأصحاب النار والخزنة أيضا ، كما قال الوصي - عليه السلام - : « إنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضا » « 4 » ؛ وقال أيضا : « كتاب اللّه ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض » « 5 » .
وفي خزائن النراقي : « البسملة تسعة عشر حرفا وقلما كلمة في القرآن تخلو من واحدة منها ، وربما تحصل النجاة من شرور القوى التسعة عشر التي في البدن أعني الحواس العشرة الظاهرة والباطنة والقوى الشهوية والغضبية والسبع الطبيعية التي هي منبع الشرور ؛ ولهذا جعل اللّه - سبحانه - خزنة النار تسعة عشر بإزاء تلك القوى فقال عليها تسعة عشر » « 6 » .
وبالجملة الخلود في النار لا ينافي عدم الخلود في العذاب .
بقي في المقام آيات تدل على خلود العذاب نحو قوله - تعالى -
« ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ »
« 7 » .
« إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
« 8 » . وكان قول الإمام أبي جعفر - عليه السلام - في حديث الكافي : « ولكن يا نار هيديه ولا تؤذيه » وهيديه أي خوّفيه وأفزعيه ، والتخويف والإفزاع نوع من العذاب وان لم يكن بايذاء ؛ وايذاء النار آمر آخر ؛ كما انك تخوّف ولدك بالنار ولا تؤذيه بها .
هامش
( 1 ) . يونس : 28 .
( 2 ) . التحريم : 8 .
( 3 ) . الملك : 9 .
( 4 ) . الخطبة 18 من النهج .
( 5 ) . الخطبة 131 من النهج .
( 6 ) . خزائن النراقي بتصحيحنا وتعليقنا ص 375 .
( 7 ) . يونس : 53 .
( 8 ) . السجدة : 15 .