من العبور على البرزخ اختيارا أو اضطرارا ، لكن العبور يتفاوت بتفاوت الأشخاص والأحوال ؛ والكل واردون على الأعراف وواردون على جحيم الآخرة بمعنى أنهم مشاهدون لها . إذا عرفت ذلك عرفت وجه الجمع بين الأخبار المتخالفة الواردة في هذا الباب . وعرفت أن المراد بالنسخ فيما ورد أن هذه الآية منسوخة بآية
« إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ »
« 1 » ، هو النسخ الجزئي الذي يكون بحسب الأشخاص والأحوال لا النسخ الكلّي فانّ هذا الورود من لوازم وجود الإنسان وكيفية خلقته ولذلك قال - تعالى - بعد الإخبار به كان ذلك
عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
مؤكدا بتأكيدات . لكن قد يعرض الإنسان جذبة من جذبات الرحمن لا تبقي عليه أثرا من الدنيا ونيرانها ، ولا من البرزخ وعقباتها ، ولا من الأعراف ومشاهداتها ، فكان الورود المحتوم منسوخا ومرتفعا في حقه . وما ورد أن النار تقول للمؤمن يوم القيامة : « جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي كان إشارة إلى الدنيا ومشتهيات النفس ، أو الأخلاق الرذيلة ، أو البرازخ » . وكذلك قول المعصوم : « جزناها وهي خامدة ؛
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا »
« 2 » .
تأتيد نوري : شبيه حدسنا في أمر التناسخ هو ان القدماء من علماء الهند قالوا : « إنّ الأرض ترس مقرر على فيلة ، والفيلة ركبان على غيلم عظيم الجثة ، فأهل الظاهر حيث لم يصلوا إلى فهم مرادهم حملوا كلامهم هذا على ظاهره بأن الأرض محمولة حقيقة على ظهر فيلة والفيلة ركبان على ظهر سلحفات ، ولم يدروا أن المراد من الفيلة الجبال ، وقرار الأرض على الفيلة أن الجبال أوتاد للأرض واللّه سبحانه وتد بها ميدان الأرض ، وحيث إن الغيلم تعيش في الماء ، والأرض في الماء لأن الماء محيط بها تقريبا شبّهوا الأرض لتقبّبها من الماء بالغيلم » . قال العلامة البيروني في المقالة الخامسة من القانون المسعودي ما هذا لفظه : « والهند سموا برّ الأرض بلغتهم سلحفاة من اجل إحاطة الماء بحواشيه ، وبروزه مقبّبا منه » « 3 » .
وتفصيل ذلك يطلب في الدرس السادس عشر من كتابنا دروس معرفة الوقت والقبلة « 4 » . وكم لنا في المقام من التأييدات العلمية الأخرى ، ينجرّ ورودها إلى الإسهاب والخروج عن موضوع الكتاب .
هامش
( 1 ) . الأنبياء : 101 .
( 2 ) . مريم : 72 .
( 3 ) . القانون المسعودي ، المقالة الخامسة ، ط ( حيدر آباد الدكن ) ، ج 2 ، ص 537 .
( 4 ) . دروس معرفة الوقت والقبلة ، ط 1 ( قم ) ، ص 91 - 100 .