قوله : « ويعلم ما أشرنا إليه من يعلم سر دخول النبيّ في جهنم - الخ » . قد علم وجه ظهور الكمّل في العوالم فمن هنا يعلم سرّ دخول الأنبياء في جهنم للشفاعة ؛ ولكن ينبغي امعان النظر في ما يراد من جهنم ، وقد تقدم البحث عنها في العين الثامنة عشرة . قال سبحانه :
« وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا »
« 1 » . وفي الكافي باسناده عن جابر عن أبي جعفر - عليه السلام قال - : « قال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أخبرني الروح الأمين ان اللّه لا إله إلا غيره إذا وقف الخلائق وجمع الأولين والآخرين أتى بجهنّم تقاد بألف زمام أخذ بكل زمام مأة الف ملك من الغلاظ الشداد - الخبر » . والفيض - رضوان اللّه تعالى عليه - بعد نقله في الوافي قال في بيانه موافقا لما حققه وبرهنه أستاذه صاحب الأسفار ما هذا لفظه : « جهنم عبارة عن باطن هذه النشأة إذا ظهرت في النشأة الأخرى وبرزت . وانما تقاد بألف زمام لأنها عالم التضاد فلا يجتمع أجزائها إلّا بأزمة التسخير بأيدي ملائكة غلاظ شداد - إلى آخر ما أفاد » « 2 » .
ونكتفي في تفسير الآية بما في تفسير بيان السعادة للجنابذي - رحمة اللّه تعالى عليه - قال : « اعلم أنّ دركات الجحيم واقعة في الآخرة ، ولا يدخلها إلّا من خرج عن الدنيا وعن عقاب البرزخ ووصل إلى الأعراف وبقي عليه فعلية مناسبة للنار . وأما قبل ذلك فلا يدخل أحد النار وكانت أبواب الجحيم مغلقة ولذلك يقال حينئذ أدخلوا أبواب جهنم ، وقال - تعالى - :
« حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها »
« 3 » ، فرتّب فتح الأبواب على مجيء أهلها لأنّها كانت مغلقة قبل المجيء . وأهل الجنّة بعد الوصول إلى الأعراف لا يبقى عليهم إلا فعلية مناسبة للجنّة فلا يدخلون النار . لكن نقول : الدنيا أنموذجة من الجحيم ، والأخلاق الذميمة ، والأوصاف الردّية كلّها أنموذجة منها . ومشتهيات النفس والآلام والأسقام من فوران الجحيم ، والبرزخ بوجه هو جحيم الدنيا ، كما أنه بوجه هو جنّة الدنيا ، والواردون على الأعراف كلهم واردون على الجحيم بمعنى أنهم مشاهدون لها . وكلّ الناس مؤمنهم وكافرهم لا بدّ لهم من العبور على الدنيا والاتصاف بمشتهياتها ، والعبور عن الرذائل والأوصاف الردية ومشتهيات النفس ، وقلّما ينفك الانسان عن علّة ما أو ألم ما . ولا بد للكّل
هامش
( 1 ) . مريم : 72 - 73 .
( 2 ) . الوافي للفيض ، ط الرحلي ، ج 13 ، ص 105 .
( 3 ) . الزمر : 71 .