الآخرة من مقولة الفعل : كون اللذات الدنياوية وآلامها انفعالات للنفس ظاهر لا غبار عليه ؛ وانما ينبغي اعمال حق النظر في الأخروية منهما لا تقاس بالدنيوية ، فان اللذّات الأخروية مثلا ابتهاجات للنفس بذاتها وبلوازمها وأفعالها من حيث إنها أفعالها ، والفعل والانفعال مقولتان مختلفتان لا اشتراك لهما في أمر ذاتي فلا مجانسة بينهما فلا يقاس إحديهما بالأخرى . والأمثال الواردة في القرآن ولسان النبوّة ، الغرض فيها تنبيه النفوس العاميّة عن أحوال الآخرة كما قال تعالى شأنه :
« وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ »
« 1 » فالأمثال للنّاس والتعقل للعالمين .
سو - عين في معرفة النفس والعجز عن معرفتها : قد كثرت كلمات مشايخ أهل المعرفة حول التمكّن من معرفة النفس ، والعجز عن معرفتها . قال العلامة البهائي في الأربعين من الأربعين : « قد تحيّر العقلاء في حقيقتها ، واعترف كثير منهم بالعجز عن معرفتها ، حتى قال بعض الاعلام : ان قول أمير المؤمنين عليه السلام : من عرف نفسه فقد عرف ربه ، معناه انه كما لا يمكن التوصل إلى معرفة النفس لا يمكن التوصّل إلى معرفة الرب ؛ وقوله عزّ وعلا :
« وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا »
« 2 » مما يعضد ذلك ، انتهى . والصواب أن معرفتها صعب ، لا أنّها غير ممكنة كما قال صاحب الاسفار : « ان النفس الانسانية ليس لها مقام معلوم في الهوية ، ولا لها درجة معينة في الوجود ، بل هي ذات مقامات ودرجات ، وما هذا شأنه صعب ادراك حقيقته وعسر فهم هويته » .
ثم إن المعرفة نظرية فكرية ، وشهودية ذوقية ؛ والنظر الفكري رؤية عن بعد ، والشهودية الذوقية هو الوجدان والكشف ، وان معرفة النفس مما لا يمكن الوصول إليها إلا بمكاشفات باطنة ومشاهدات سرية لا تحصل إلّا برياضات ومجاهدات ، وتلك المكاشفات والمشاهدات هي في الحقيقة تخطّي النفس إلى عالم المفارقات . والمعرفة الشهودية حاصلة لنا على قدر سعة جدولنا الوجودي المتصل بالبحر الوجودي الصمدي . فالعجز عن كنه حقيقتها لا يختص بها ، بل هو جار في معرفة اية كلمة وجودية لأنها شأن من شؤون الوجود
هامش
( 1 ) . عنكبوت : 43 .
( 2 ) . اسراء : 85 .