أن يذهل عن ذاته حتى لا يكون في هذه الحال بينه وبين الجماد فرق فلا يجدي معه هذا البرهان . وإذا أردت أن تعلم شيئا من أعضائك الباطنة احتجت إلى أن تبصرها أو تسمع من غيرها أو تتفكر فتعلمها بالفكر ، وليس نفسك منه بهذه المثابة » . انتهى ما أردنا من نقل قول الأبيوردي .
أقول : قوله : « ولو كان علمنا بأنفسنا . . . » ناظر إلى كلام الشيخ في الفصل الرّابع من النّمط الثالث من الإشارات حيث قال : « وهم وتنبيه » ، ولعلك تقول : إنما أثبت ذاتي بوسط من فعلي فيجب إذن ، أن يكون لك فعل تثبته في الفرض المذكور ، أو حركة ، أو غير ذلك ، ففي اعتبارنا الفرض المذكور جعلناك بمعزل من ذلك . وأما بحسب الأمر الأعم فان فعلك إن أثبتّه فعلا مطلقا فيجب أن تثبت منه فاعلا مطلقا ، لا خاصّا هو ذاتك بعينها ؛ وإن أثبتّه فعلا لك فلم تثبت به ذاتك ، بل ذاتك جزء من مفهوم فعلك من حيث هو فعلك ، فهو مثبت في الفهم قبله ، ولا أقل من أن يكون معه لا به فذاتك مثبتة لا به . انتهى .
أقول : يعني بقوله : « الفرض المذكور » الدليل التجربي الذي أفاده في الفصل الأول من النمط الثالث : « ارجع إلى نفسك وتأمل ؛ هل إذا كنت صحيحا الخ » . والمراد من قوله :
« بحسب الأمر الأعمّ » هو الفعل على وجه عام ومطلق ، مقابل قوله : « فعلي » فإنه فعل خاص من حيث اضافته إلى الشخص المعين ، والفعل بحسب الأمر الأعم يقتضي إثبات فاعل مّا ، لا إثبات فاعل معيّن .
وأما ما أضافه الأبيوردي بقوله : « أو مظلم كثير . . . » فهو بمعزل عن التحقيق . فإن محط النظر في البحث هو عدم الإدراك والإحساس بشيء غير ذات المدرك أي النفس ، وأما في المظلم الكثير أو اغماض العين ، أو العمى أو نحوها فيحس بشيء غير ما يعبّر عنه بقوله أنا ، أي النفس ، فتأمّل . على أن اثبات النفس الإنسانية أمر ، وكونها مغائرا للبدن أمر آخر .
والفصل الرابع المذكور من الإشارات في الأول ، والذي بعده - حيث قال الشيخ : « هو ذا يتحرك الحيوان بشيء غير جسميته . . . - » في الثاني ؛ كما يعلم بالرجوع إلى الإشارات ، والمحقق الطوسي في شرح الفصلين صرّح بذلك ؛ والأبيوردي خلّط البحث في الأمرين وان كان يستفاد من الدليل التجربي المذكور المغائرة بل التجرد أيضا .
ثم قد أشرنا في الدرس الثاني والعشرين من دروس معرفة النفس « 1 » ( ص 58 ط 1 )
هامش
( 1 ) . دروس معرفة النفس ، الطبع الاوّل ، ص 58 .