تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عين اليقين الملقب بالأنوار والأسرار — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
كيف ، وأنّه ما وجب إلّا بالاختيار ، ولا شكّ أن القدرة والاختيار كسائر الأسباب من الإدراك والعلم والإرادة والتفكّر والتخيّل ، وقواها وآلاتها كلها بفعل اللّه تعالى ، لا بفعلنا واختيارنا ، وإلّا لتسلسلت القدر والإرادات ، إلى غير النهاية ، أو دارت ؛ وذلك لأنا وإن كنا بحيث إن شئنا فعلنا ، وإن لم نشأ لم نفعل ، لكنّا لسنا بحيث إن شئنا شئنا ، وإن لم نشأ لم نشأ ، بل إذا شئنا فلم تتعلق مشيئتنا بمشيئتنا ، بل بغير مشيئتنا ، فليست المشيئة إلينا ؛ إذ لو كانت إلينا لاحتجنا إلى مشيئة أخرى سابقة ، وتسلسل الأمر إلى غير النهاية . ومع قطع النظر عن استحالة التسلسل نقول جملة مشيئاتنا الغير المتناهية بحيث لا يشذّ عنها مشيئة ، لا تخلو إمّا أن يكون وقوعها بسبب أمر خارج عن مشيئتنا ، أو بسبب مشيئتنا ، والثاني باطل ؛ لعدم إمكان مشيئة أخرى خارجة عن تلك الجملة ، والأوّل هو المطلوب . فقد ظهر أن مشيئتنا ليست تحت قدرتنا ، كما قال اللّه عزّ وجلّ :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 1 » . فإذن نحن في مشيئتنا مضطرّون ، وإنما تحدث المشيئة عقيب الداعي ، وهو تصور الشيء الملائم تصورا ظنيا ، أو تخيليا ، أو علميا ، فإنا إذا أدركنا شيئا فإن وجدنا ملائمته أو منافرته لنا دفعة بالوهم ، أو ببديهة العقل ، انبعث منّا شوق إلى جذبه ، أو دفعه ، وتأكّد هذا الشوق هو العزم الجازم المسمى بالإرادة ، وإذا انضمّت إلى القدرة الّتي هي مهيئة للقوة الفاعلة انبعثت تلك القوّة لتحريك الأعضاء الأدوية ، من العضلات وغيرها ، فيحصل الفعل . فإذن إذا تحقق الداعي للفعل الّذي تنبعث منه المشيئة تحقّقت المشيئة ،
هامش
( 1 ) - سورة الإنسان ، الآية 30 ؛ وسورة التكوير ، الآية 29 .